معنى الآية من الوعيد إلى الوعد، وهذا المعنى الذي ذكره ابن عربي لا يستقيم عربية، حيث لم يقبل أحد من أئمة اللغة أن السين زائدة في مادة (سجن)، وحتى لو سلمنا جدلا أن المعنى كما يقول فكيف ساغ لنبي الله موسى ﵇ أن يسكت على هذا الكلام الذي صدر عن فرعون؟ أليس هذا تسليما من موسى لفرعون بادعاء الألوهية وهو النبي الذي جاء لكي يدعوه إلى عبادة الله رب العالمين، اللهم إن هذا لافك مبين.
المثال الرابع:
ثم نجد ابن عربي يذكر لنا تفسيرا غريبا للآيات التي تتعلق بالكافرين في صدر سورة البقرة، فيقول - معلقا على قول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (٦) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (٧)﴾ (١) - يقول -: «إيجاز البيان فيه: يا محمد، إن الذين كفروا. ستروا محبتهم في عنهم، فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلتك به أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلق، وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم، فلم أجعل فيها متسعا لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاما في العالم إلا مني، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي، فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي، أردهم بعد هذا المشهد السني إلى إنذارك، وأحجبهم عني، كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قربا، أنزلتك إلى من يكذبك ويرد ما جئت به إليه مني في وجهك، وتسمع في ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شهدته في إسرائك، فهكذا أمنائي على خلقى الذين أخفيتهم، رضائي عنهم فلا أسخط عليهم أبدا»(٢).
فانظر إليه كيف قلب أوصاف الكافرين من صفات ذم إلى صفات مدح.
(١) سورة البقرة: ٦، ٧ (٢) الفتوحات المكية ج ١ ص ١١٥