للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ثالثا: استهواء العامة والتكسب بالوعظ والقصص]

فقد ظهرت - في زمن التابعين وتابعيهم - جماعة يعظون الناس في المساجد والأسواق، كانوا يعرفون بالقصاص، وكانوا يتكسبون مما يلقونه علي الناس من قصص وعظات، وأحاديث وحكايات، وكلما كان القصص منهم أغرب كان التفات الناس حولهم أشد، وعطاء الناس لهم أكثر، ولقد كان هؤلاء القصاص يستميلون الناس ويستهوونهم بالغرائب والمناكير، والأباطيل والأساطير، وكانوا - في هذا المجال - يستبيحون لأنفسهم الكذب في الحديث، فيضعون على رسول الله - كما يقول الإمام القرطبي - أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها، ثم يذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد (١)، وكان لهم في ذلك جرأة ووقاحة وصفاقة وجه، ويذكر المحدثون - في هذا الصدد - قصة مشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين، فقد روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: «صلي أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرازق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله : من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، فجعل الإمام أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلي أحمد، فقال له: حدثته بهذا؟ فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه أخذ العطيات ثم قعد ينتظر بقيتها، فقال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهما لنوال فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين، وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة، كأن ليس يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما،


(١) تفسير القرطبي ج ١ ص ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>