للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما يناسب الكمال في الدين الذي وضع له اللفظ أولا، وأدى هذا الطموح إلى نشأة علم ديني إلى جانب العلم الفقهي.

وانقسم علم الشريعة - تبعا لذلك - إلى قسمين:

الأول: علم يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة التي تجري على الجوارح والأعضاء الجسمية، وهي العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم إلى آخره، وأحكام المعاملات كالحدود والزواج والطلاق، والعتق والبيوع والفرائض والقصاص، وسمي هذا العلم علم الفقه، وهو مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا في العبادات والمعاملات.

والثاني: علم يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها، والأعمال الباطنة هي أعمال القلوب، وسمي هذا العلم الثاني علم التصوف، وسمي المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن، وسموا من عداهم أهل ظواهر وأهل رسوم، وأهل الرسوم طائفتان: القراء والفقهاء، فالقراء هم أهل التنسك والتعبد، سواء كانوا يقرءون القرآن أم لا يقرءون، وهمتهم مقصورة على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف وأعمال القلوب، والفقهاء هم المشتغلون بالفتيا وعلوم الشريعة، وهؤلاء وهؤلاء عند الصوفية أهل رسوم، ففريق مع رسوم العلم، وفريق مع رسوم العبادة، والتصوف في هذا الدور عبارة عن الأخلاق الدينية ومعاني العبادة (١).

ويحدثنا ابن خلدون عن هذا الدور والسمات البارزة فيه، فيقول: «فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله، والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم، فمنهم من كتب في أحكام الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك، كما فعله


(١) انظر تعليق الشيخ مصطفى عبد الرازق على مادة (التصوف) في دائرة المعارف الإسلامية جـ ٩ ص ٣٤١، ٣٤٢

<<  <  ج: ص:  >  >>