للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولعل السبب في نهي الرسول عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم هو أن أهل الكتاب - نظرا لكثرة ما حرفوا في كتب الله - لم يكونوا أهلا لأن يثق المسلمون في أخبارهم، وليسوا كذلك أمناء عندما يقومون بترجمة التوراة من العبرانية إلى العربية، فلا غرو إذن أن يحذر الرسول من تصديقهم أو تكذيبهم، وحسب المؤمنين أن يقولوا لهم - عند سماع أخبارهم -: ﴿آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾.

وأما الحديث الثالث والأخير: فهو ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (١).

وهذا الحديث يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل تدرج التشريع في هذا المجال، لأن الرسول أذن لصحابته هذا بأن يحدثوا عن في إسرائيل، وأن يرووا عنهم الأخبار بشرط أن تكون هذه الأخبار صادقة، ألا ترى معي أن الإذن قد اتسعت دائرته من ذي قبل، فبعد أن كان الإذن في الاستماع فقط لأخبار أهل الكتاب جاء الإذن في هذا الحديث الأخير - برواية الأخبار عنهم بشرط أن يتأكد المسلمون من صدقها، لما قد يكون في ذلك من الاعتبار أو البشارة بالنبي ولا يستطيع المسلم أن يتأكد من صدق أي خبر من أخبار أهل الكتاب إلا إذا جاء في شرعنا ما يدل على صدقه، أما الخبر الذي يكون في الشرع


(١) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل ج ٤ ص ٢٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>