ويمثل هذا الحديث للمرحلة الثانية من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات، فبعد أن كان الرسول ﷺ في المرحلة السابقة - ينهى ويحذر صحابته عن قراءة كتب أهل الكتاب أو سؤالهم أو الاستماع إلى أحاديثهم - نجد الرسول ﷺ في هذا الحديث الذي معنا - لا يحذر صحابته من أن يستمعوا لأحاديث أهل الكتاب، بل يحذرهم فقط من تصديق هذه الأحاديث أو تكذيبها، لأنها قد تكون كاذبة فيصدقون بها، أو قد تكون صادقة فيكذبون بها فيقعون في الحرج، ومعنى ذلك أنهم يتوقفون بالنسبة لها، ويكفي حينئذ أن يقولوا - كما علمهم الله - ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل﴾ الآية.
ألا ترى معي هذا إلى أن الحكم قد تدرج من المنع المطلق إلى الإذن المقيد تبعا لتغير المصلحة، ولعل المصلحة الجديدة هنا هي أن الصحابة - في ذلك الوقت - كان قد كثر احتكاكهم بأهل الكتاب، بقصد دعوتهم إلى الإسلام، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وأنه كان قد زال المحذور الذي من أجله جاء المنع في المرحلة الأولى، وإذن فلا حرج عليهم من أن يستمعوا لشيء من أخبار أهل الكتاب، بشرط أن لا يصدقوا أهل الكتاب، وأن لا يكذبوهم.
ومما يرجع ما ذكرت أن هناك آية في القرآن الكريم تلتقي كثيرا مع هذا المعنى الذي فهمته من هذا الحديث الشريف، وهي قول الله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ (٤٦)(١).