وهذا الحديث يتضمن نهي الرسول ﷺ عن أمرين: القراءة في كتب أهل الكتاب، وسؤالهم عن أشياء يظن أنهم على علم بها، والسبب في نهي الرسول ﷺ عن ذلك أن ثقافات أهل الكتاب لا يطمأن إليها، ولا يوثق بها، لأنهم قد حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا في كتب الله المنزلة على رسلهم، فالواجب أن يكون المسلمون على حذر من ثقافاتهم. حتى لا يقعوا في حيرة واضطراب وبلبلة وحتى لا يلتبس عندهم الحق بالباطل، ويختلط الحابل بالنابل، أما شريعة القرآن فقد جاءنا بها الرسول ﷺ بيضاء نقية من الشوائب، ولو كان موسى ﵇ حيا - في زمن الرسول ﷺ ما وسعه إلا أن يكون تابعا لنبي الإسلام ﵊.
ويستفاد من روح هذا الحديث وسياقه أن هذا النهي والتحذير من الرسول ﷺ لأصحابه إنما كان في بداية احتكاكهم باليهود في المدينة خوفا من الفتنة عليهم، واختلاط الحق بالباطل لديهم؛ وهذا الحديث يمثل المرحلة الأولى من مراحل التدرج في تشريع الحكم بالنسبة للإسرائيليات.
وأما الحديث الثاني فهو ما أخرجه البخاري من أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ:«لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل» الآية (٢).
(١) مسند الإمام أحمد جـ ٣ ص ٣٨٧، قال ابن حجر في فتح الباري جـ ١٢ ص ٤٠٤ بعد أن تكلم في جميع طرق هذا الحديث: «وهي وإن لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا». (٢) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب التوحيد - باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتاب الله بالعربية وغيرها جـ ٩ ص ١٩٣.