التابعي لم يجتمع بصحابي آخر يكمل له التفسير، أو اجتمع بمن لا زيادة عنده على ما عنده عن الصحابي الذي أخذ عنه، فاقتصر عليه، وشرع يكمل تفسير القرآن باجتهاده، استنباطا من اللغة تارة، ومن السنة تارة أخرى؛ ومن نظير الآية المطلوب تفسيرها من القرآن تارة ثالثة، ومن مدارك أخرى وآها صالحة لأخذ التفسير منها، كالتاريخ، وأيام الأمم الخالية، والقضايا الإسرائيلية ونحوها، فاتسع الخرق، وكثر الدخل في التفسير (١).
وتتميز أقوال التابعين في التفسير بما يأتي: أولا: أن هذه الأقوال يكثر فيها الاختلاف، بخلاف أقوال الصحابة التي تضيق فيها دائرة الاختلاف إلى حد كبير، قال ابن تيمية:«ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والإئتلاف والعلم والبيان فيه أكثر»(٢).
غير أننى أستطيع أن أقول: إن أقوال النابعين في التفسير وإن كانت مختلفة إلا أن معظم هذا الاختلاف يرجع إلى أنه اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وفي ذلك يقول ابن تيمية ﵀:«فتذكر أقوالهم - يعني التابعين - في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا، فيحكيها أقوالا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك»(٣).
(١) الاكسير في علم التفسير ص ٦. (٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٧. (٣) المصدر السابق ص ١٠٤.