وإذا ثبت أن مسلك الباطنية في التأويل مرفوض، يجب رده، ولا يمكن قبوله فهل هناك مقياس لصحة التأويل، وقبول الباطن في التفسير؟
نعم، إن هناك مقياسا دقيقا جاء على لسان الإمام الشاطبي في (الموافقات) فقد تكلم الشاطبي عن القرآن الكريم على أنه الأصل الأول للتشريع، وبين أن له ظاهرا وباطنا، وأن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر، كالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية، وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار الله بالربوبية، فذلك هو الباطن المراد، والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله (١).
وبعد أن قرر الشاطبي ذلك بالتفصيل ذكر شرطين لقبول الباطن في تفسير القرآن الكريم، هما موافقة اللغة، وشهادة الشرع، قال الشاطبي ﵀: «وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها ولكن يشترط فيه شرطان: أحدهما - أن يصح على مقتضي الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية، والثاني: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض، فأما الأول فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق، ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلا، إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من نسبة ضده إليه، ولا مرجح يدل على أحدهما، فإثبات إحدهما تحكم وتقول على القرآن ظاهر، وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم، والأدلة المذكورة في أن القرآن عربي جارية هنا.
(١) انظر الموافقات ج ٣ ص ٢٢٧ وما بعدها ط المطبعة السلفية بمصر.