وأما الثاني فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض صار من جملة الدعاوى التي تدعى على القرآن، والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء، وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن، لأنهما موفران فيه، بخلاف ما فسر به الباطنية فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم الظاهر، فقد قالوا: في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داوود﴾ (١) أنه الإمام ورث النبي علمه: وقالوا - في الجنابة -: إن معناها مبادرة المستجيب با فشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك، ومعنى الطهور: هو التبري والتنظيف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام» (٢) إلخ.
وإذن فلابد لقبول الباطن في التفسير من شرطين: موافقة اللغة وشهادة الشرع، وإلا كان هذا الباطن فاسدا ومردودا، ومن هذا القبيل تأويلات الباطنية، فانها فاقدة للشرطين معا، وقد حكم عليها الشاطبي - كما رأينا - بأنها ليست من علم الباطن، ولا من علم الظاهر في شيء، وإنما هي في حقيقة الأمر ضرب من ضروب الهذيان، وفن من فنون الضلال.
أما الإمام يحيى بن حمزة العلوي فإنه يحدثنا عن معيار آخر دقيق، المعرفة ما يقبل من التأويل وما يرد، ويحكم - بمقتضى هذا المعيار على تأويلات الباطنية بالفساد والبطلان، وهذا المعيار الذي ذكره الإمام العلوي يشبه إلى حد كبير - ما ذكره الشاطبي في (الموافقات)، لأنه يعتمد هو الآخر على دعامتين: إحداهما لفظية وهي اللغة العربية، والأخرى معنوية وهي الأصول الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع وشهادة العقل، وفي ذلك يقول الإمام يحيى العلوي: «الأصل الأول: في المعيار الصادق، والفيصل الفارق في تمييز ما يعرف به صحيح التأويل من سقيمه، وذلك ضربان: لفظى ومعنوى، أما اللفظي فهو اللغة العربية، وذلك لأن الله تعالى أنزل
(١) سورة النمل: ١٦. (٢) الموافقات ج ٣ ص ٢٣٥ - ٢٣٦.