مذهبها بنفس المذهب سوى هذه، إذ مذهبها إبطال النظر، وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها بدعوى الرموز، وكل ما يتصور أن ينطلق به لسانهم إما نظر أو نقل، أما النظر فقد أبطلوه، وأما اللفظ فقد جوز أن يراد باللفظ غير موضوعه، فلا يبقى لهم معتصم. فإن قيل: فهذا ينقلب عليكم، فأنتم تجوزون أيضا تأويل الظواهر، كما أولتم آية الاستواء وخبر النزول وغيرهما، قلنا: ما أبعد هذا القلب فإن لنا معيارا في التأويل وهو أن ما دل نظر العقل ودليله على بطلان ظاهره علمنا ضرورة أن المراد غير ذلك، بشرط أن يكون اللفظ مناسبا له بطريق التجوز والاستمارة، قد دل الدليل على بطلان الاستواء والنزول، فإن ذلك من صفات الحوادث، فحمل على الاستيلاء، وهو مناسب للغة، وأما الحشر والنشر، والجنة والنار فليس في العقل دليل على إبطاله، ولا مناسبة بين الألفاظ الواردة فيه وبين المعنى الذي أولوه عليه، حتى يقال إنه المراد، بل التأويل فيه تكذيب محض» (١).
وأيضا نجد الإمام ابن الجوزي في كتابه:(تلبيس إبليس) يناقش الباطنية في تأويلاتهم الرمزية بأسلوب آخر، فيقول:«ثم يقال لهم: هذه البواطن والتأويلات يجب إخفاؤها أم إظهارها؟ فإن قالوا: يجب إظهارها، قلنا: فلم كتمها محمد ﷺ؟ وإن قالوا: يجب إخفاؤها، قلنا: ما وجب على الرسول إخفاؤه كيف حل لكم إفشاؤه؟ قال ابن عقيل: هلك الإسلام بين طائفتين: بين الباطنية والظاهرية، فأما أهل الباطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما ادعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها. حتى لم يبق في الشرع شيء إلا وقد وضعوا وراءه معنى، حتى أسقطوا إيجاب الواجب، والنهي عن المنهي، وأما أهل الظاهر فإنهم أخذوا بكل ما ظهر مما لا بد من تأويله، فحملوا الأسماء والصفات علي ما عقلوه، والحق بين المنزلتين، وهو أن نأخذ بالظاهر ما لم لم يصرفنا عنه دليل، وترفض كل باطن لا يشهد به دليل من أدلة الشرع»(٢)