بحث يليق بمقاصد الإعراب، ومما يؤكد الأضحوكة على مذهبهم أن يقال: إذا كان لا محيص لكل طاهر عن باطن، فلعل باطن قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ أحد أمرين:
إما لا يكشف أستار الباطنية إلا المتكلمون، وإما لا يطلع على إلحاد الإسماعيلية إلا الموحدون (١).
ومن الآيات التي يتعلقون بها في هذا المجال كذلك قوله تعالي - في صفة البيت الحرام -: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ (٢) فقد قالوا: إن حمل الآية على ظاهرها غير ممكن، لأنا نعلم أن البيت يدخله الآمن، كما يدخله الخائف، وخبر الله لا بد أن يكون صادقا لا كذب فيه، ومن أجل ذلك تعين في هذه الآية التأويل، وأن يراد بها الباطن.
إلا أننا يمكننا أن نرد عليهم بأن ظاهر هذه الآية مراد، ولا استحالة فيه، غاية ما في الأمر أن الخبر هنا بمعنى الأمر، ومعناه: ليأ من كل من دخله، ومخالفة الأمر لا كذب فيه، لأن الإنشاء يخالف الخبر، وعلي ذلك فليس في هذه الآية دليل لهم على ما يزعمون.
إذن نستطيع أن نقول: إن التأويل الباطني الذي اعتمد عليه الباطنية لا سند له في كتاب الله تعالى، بل ولا في سنة رسوله ﷺ، وقد قدمنا أن هؤلاء الباطنية الذين سلكوا هذا المسلك الشاذ إنما ظهرت حركتهم بصورة منظمة في أيام العباسيين، بيد أنه يمكننا أن نرجع بداية التأويل الباطني إلى غلاة الشيعة الذين ظهروا في أيام الدولة الأموية ومن هؤلاء طائفة السبئية، وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي زعم بعد مقتل علي - كرم الله وجهه - أنه حي لم يمت، وأنه صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى ابن مريم ﵇، وأنه سينزل إلى الدنيا ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وقد زعم بعض السبئية أن عليا في السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه،
(١) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار ص ١٢٨ (٢) سورة آل عمران: ٩٧