للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفن من الضلال، لأن المراد بالكتاب هنا هو هذا القرآن المنزل من السماء، أما الحكمة فيختلف معناها باختلاف مواقعها، ففي قوله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وفي قوله: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾، يراد بالحكمة السنة، وفي قوله ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ يراد بالحكمة العلم والعمل، فالحكيم عند الله هو العالم العامل بما علمه، وعلى ذلك فإن استدلال الباطنية بهذه الآيات على صحة القول بالباطن فاسد حيث إن كلامهم في واد، والآيات القرآنية التي يستدلون بها في واد آخر.

وأيضا يستدل الباطنية على نصرة الباطن بدليل آخر، وهو أن هناك في القرآن ما لا يمكن حمله بزعمهم على ظاهره، وإذا لم يمكن حمله على الظاهر تعين أن يكون المراد به الباطن، وضربوا لذلك بعض الأمثلة منها قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ (١) فقد قالوا: إن الله أخبر عن القرآن بأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا الخبر إذا حمل على ظاهره تطرق الكذب إليه، لأنه ليس من المتعذر على من ليس بطاهر أن يمس الكتاب، وخبر الله يجب أن يكون صادقا، وإذن فلابد من القول بالباطن، وهنا يسبحون في خضم التأويلات الفاسدة، والهذيانات المضحكة.

وقد رد عليهم أحد العلماء الأجلاء، وأبطل استدلالهم بهذه الآية فقال: ليس يخلو حال الجملة الفعلية في قوله. ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ من أن تكون صفة للكتاب أو صفة للقرآن (٢)، فإن كانت صفة للكتاب فالمراد به اللوح المحفوظ، وهو لا يحتاج إلى تأويل، فإنه لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، وإن كانت صفة للقرآن فالغرض منه أنه نفى في معنى النهي، كأنه قال: إنه لقرآن كريم فانتهوا عن مسه، وبعد هذا فلا شك ولا ريب، وهذا


(١) سورة الواقعة: ٧٨، ٧٩.
(٢) يعني في الآية السابقة على هاتين الآيتين وهي قوله تعالى: «إنه لقرآن كريم».

<<  <  ج: ص:  >  >>