للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إليه فيما يستبهم من أمور الدين، هذا مبدأ دعوتهم، ثم إنهم - بالآخرة - يظهرون ما يناقض الشرع، وكأنه غاية مقصدهم، لأن سبيل دعوتهم ليس يمتعنين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه، بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة الإمامهم، فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم، ويقرونهم عليها، فهذه جملة المذهب» (١).

هذا - وقد استفحل أمر الباطنية، واشتد خطرهم على الدولة العباسية، في فترات متلاحقة من الزمن، ففي أيام الخليفة المعتصم العباسي ظهرت طائفة من الباطنية تدعى بالبابكية أو الخرمية (٢) ومذهب هؤلاء يتلخص في طي بساط التكليف، وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمات (٣)، وكان زعيم هذه الطائفة هو بابك الخرمي، ظهر في بعض الجبال بناحية أزربيجان سنة ٢٠١ هـ وتبعه خلق كثيرون، واستفحل أمر هؤلاء واستباحوا المحظورات، وخرجوا على الخليفة العباسي، فأرسل الخليفة جيشا لقتالهم، واستمرت الحرب بين الفريقين عشرين سنة، وفي النهاية استطاع الأفشين قائد المعتصم أن يهزم بابك الخرمي، وأن يسيره هو وأخاه مكبلين بالحديد إلى الخليفة العباسي، فأمر بقتلهما وصلبهما في (سر من رأى) سنة ٢٢٣ هـ.

وبعد ذلك ظهر من طوائف الباطنية القرامطة، وهؤلاء القرامطة ينتسبون إلى رجل يقال له: (حمدان قرمط) لقب بذلك لقرمطة في خطه أو في خطوه (٤)، وقد تلقى هذا الرجل الدعوة الباطنية على يد داع من دعاتها،


(١) فضائح الباطنية ص ٣٧
(٢) خرم - علي وزن سكر - لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلد المستطاب الذي يرتاح الإنسان له، وقد كان هذا الاسم لقبا للمزدكية. وهم أهل الإباحة من المجوس، فسمي هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم.
(٣) فضائح الباطنية ص ١٤ وتلبيس إبليس ص ١٠٥، ١٠٦.
(٤) الفرق بين الفرق ص ٢٨٢

<<  <  ج: ص:  >  >>