في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم، حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل، وجحد البعث، وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (١)، ورأوا أمر محمد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم، أركم عقلا، وأسخفهم رأيا (٢)، وأقبلهم للمحالات، والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم، ونتودد إليهم بالحزن على ماجرى على آل محمد من الظلم والذل، ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخلاع من الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن المنخدع بظواهرها أحمق، وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا، ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق) (٣).
وأخيرا يلخص لنا الغزالي مذهب الباطنية بصورة إجمالية، فيقول:
«أما الجملة فهو أنه مذهب ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول عن أن تكون مدركة للحق، لما يعتريها من الشبهات، ويتطرق إلى النظار من الاختلافات، وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلم، وحكم بأن المعلم المعصوم هو المستبصر، وأنه مطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائع، يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات، وأن كل زمان ولا بد فيه من إمام معصوم، يرجع
(١) نمس عليه الأمر: لبس عليه ودلس، ومخرق مثله. (٢) في الأصل: (أذكاهم عقلا وأتحفهم رأيا)، والصواب ما ذكرناه كما في فضائح الباطنية ص ١٩. (٣) تلبيس إبليس ص ١٠٦ وهذا الكلام الذي ذكره ابن الجوزي مأخوذ من فضائح الباطنية ص ١٨، ١٩.