بما شيعها به، فسبق لسانه - على سبيل السهو أو الغلط - إلى أن قال:(تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى) - وروى الغرانقة - ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه، ووقيل: نبهه جبريل ﵇، أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي، وطابت نفوسهم وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء، زاد المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا، والمعنى: أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم (١) كذلك، إذا تمنوا مثل ما تمنيت مكن الله الشيطان، ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك، إرادة امتحان من حولهم، والله - سبحانه - له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن، وأنواع الفتن، ليضاعف تواب الثابتين، ويزيد في عقاب المذبذبين» (٢).
وفد ذكر كثير من العلماء أن هذه الرواية مختلفة ولا أصل لها، وأنها من وضع الزنادقة وأعداء الدين، وبينوا كذلك ما تنطوي عليه هذه القصة الخرافية من أدلة الفساد، وشواهد الكذب، قال الإمام الآلوسي ﵀:«وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل»، وقال القاضي عياض - في الشفاء:«يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة»، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وفي «البحر»(٣) أن هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق، جامع السيرة النبوية. فقال: هذا من وضع الزنادقة. وصنف في ذلك كتابا، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي
(١) يقال: ما زال ذلك هجيراه - بكسر الهاء وتشديد الجيم - أي دأ به وشأنه وعادته، ا هـ من لسان العرب. (٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦٥ (٣) يريد كتاب (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي.