معنى ذلك أن كعبا - وهو شريك في الجريمة كما يزعم - يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك على غير المألوف من عادة المجرمين من المبالغة في كتمان ما يدبرون، وعدم إثارة الشكوك حولهم، ورواية ابن جرير للقصة لا تدل على صحتها، لأن ابن جرير - كما هو معروف عنه - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه، والذي ينظر في تفسيره يجد فيه مما لا يصح شيئا كثيرا، كما أن ما يرويه في تاريخه لا يعدو أن يكون من قبيل الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، ولم يقل أحد بأن كل ما يروى في كتب التاريخ ثابت صحيح. ثم إن ما يعرف عن كتب الأحبار من دينه وخلقه وأمانته، وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له يجعلنا نحكم بأن هذه القصة موضوعة عليه، ونحن ننزه كعبا عن أن يكون شريكا في قتل عمر، أو يعلم من يدبر أمر قتله ثم لا يكشف لعمر عنه، كما ننزهه أن يكون كذابا وضاعا، يحتال على تأكيد ما يخبر به من مقتل عمر بنسبته إلى التوراة، وصوغه في قالب إسرائيلي ثم قال - وإذا كانت هذه الإسرائيليات المروية عن كعب وغيره قد أثرت في عقيدة المسلمين وعلمهم أثرا غير صالح فليس ذنب هذا راجعا إلى كعب وأضرابه، لأنهم رووه على أنه مما في كتبهم، ولم يشرحوا به القرآن، اللهم إلا ما يتفق من هذا مع القرآن ويشهد له، ثم جاء من بعدهم فحاولوا أن يشرحوا القرآن بهذه الإسرائيليات، فربطوا بينها وبينه على ما بينهما من بعد شاسع، بل وزادوا على ذلك ما نسجوه من قصص خرافية نسبوها لهؤلاء الأعلام، ترويجا لها، وتمويها على العامة، فالذنب إذن ذنب المتأخرين الذين ربطوا هذه الإسرائيليات بالقرآن، وشرحوه على ضوئها، واخترعوا من الأساطير ما نسبوه زورا وبهتانا إلى هؤلاء الأعلام وهم منه براء» (١).