هذا أو ذاك على إطلاقه، بل لا بد أن تقيد رواية الصحابة من أهل الكتابي بدائرة الجواز، وهي الأخبار الصادقة فقط، كما قيدت الإباحة في الحديث بذلك على حسب ما وضحنا، قال الشافعي ﵁ في تعليقه على هذا الحديث:«من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم»(١).
وأيضا نرى أن ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص من أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك (٢)، وما ورد عنه كذلك من أنه أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمن النظر فيها، ورأى فيها عجائب (٣)، وما ورد عنه أيضا من أنه تحمل عن أهل الكتاب أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة (٤) - ما ورد من هذا كله لا يصح أن يفهم على إطلاقه، بل لا بد أن يقيد بدائرة الجواز - كما فهمنا من الحديث الشريف وهي الأخبار الصادقة فقط، ذلك لأن منهج الصحابة جميعا - كما قدمنا كان يقوم أساسا على الدقة والتحري، والاحتياط والتشدد في النقل من أهل الكتاب، ويعجبني ما قاله أحد الباحثين - تعليقا على خبر الزاملتين -
فقد قال: «ولكن الذي يخشاه الباحث، وهو يرى الرواة وكتاب التراجم يتحدثون عن قراءة عبد الله بن عمرو بالسريانية وأنه كان بينه وبين
(١) فتح الباري ج ٦ ص ٣٢٠. (٢) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٨ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ١٤. (٣) تفسير القاسمي ج ١ ص ٤٢. (٤) الإتقان ج ٢ ص ١٨٩.