أستطيع بعد هذا أن نوجز المصادر التي اعتمد عليها الصحابة في التفسير فنقول: إن الصحابة كانوا يعتمدون - أساسا - في تفسير القرآن على القرآن أولا، ثم على السنة ثانيا، ثم على الاجتهاد ثالثا، وأنهم ما كانوا يلجأون إلى أهل الكتاب في تفسير القرآن الكريم إلا في أضيق الحدود، ومقابيس معينة، فما كانوا يلجأون إليهم قط في تفسير آيات العقائد والأحكام، بل كان سؤال أهل الكتاب - إن وجد - إنما يتعلق ببعض أخبار السابقين، وقصص الأنبياء والمرسلين، وأيضا ما كان الصحابة يسألون أهل الكتاب عن شيء من ذلك إلا إذا لم يجدوا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ما يشفي غليلهم في هذا المجال، كذلك فإن الصحابة ما كانوا يسألون أهل الكتاب عن الأشياء الثانية والحقيرة، وأنهم أيضا ما كانوا ينقلون عنهم في هذا المجال - ما يخالف حقائق الدين، أو مسلمات العقل السليم، ومن ثم فإن ما ننسب إلى الصحابة من خرافات وأساطير لا شك أنه مكذوب عليهم.
وفي ضوء ما قررناه الآن لا يصح بحال أن نتهم كلام ابن تيمية على إطلاقه الذي يفيد أن الصحابة كانوا يروون عن أهل الكتاب أشياء رأوها ويحدثون بما جاء في كتبهم، بل لا بد أن يقيد هذا الكلام بثلاثة المقاييس التي شرحناها، قال ابن تيمية:«ولهذا فإن غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس»، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا