عن القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين وعبد الله بن مسعود ﵁(١).
وكان منهج الصحابة في التفسير يقوم على أسس ثابتة، فهم يلجأون إلى القرآن نفسه أولا، فإن لم يجدوا لجأوا إلى السنة، فإن لم يجدوا لجأوا إلى الاجتهاد والرأي، وقلما كانوا يلجأون إلى أهل الكتاب في هذا المجال، وهذا المنهج الذي سار عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن خاصا بالتفسير فقط، بل كان عاما في شئون حياتهم العملية والعلمية على السواء، يدلنا على ذلك حديث معاذ ابن جبل فقد قال الرسول ﷺ له حين بعثه إلى اليمين:«بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله»(٢).
ثم إننا لنلاحظ أن اختلاف الصحابة في الرأي لا يكاد يذكر في عهد الرسول ﷺ، وكيف يختلفون والرسول ﵊ معهم وبين ظهرانيهم؟ بيد أن الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ بدأوا يختلفون في الرأي بالنسبة لبعض أمور الدين، وبخاصة في المسائل التي لم يرد لها نص في الكتاب ولا في السنة، إلا أن الخلاف أو الاختلاف كان سرعان ما يحسم فيما بينهم؛ ولقد كانت خلافة الرسول ﷺ هي أول مظاهر هذا الخلاف أو الاختلاف؛ ولا منع قوم الزكاة بعد وفاة الرسول ﷺ اختلف عمر بن الخطاب مع خليفة
(١) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٥ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ١٣ ط الشعب. (٢) سبق ما قاله ابن كثير بالنسبة لهذا الحديث.