للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجودهم، ولم يستعدوا للقاء معبودهم، فانظر إلي جبال الوجودات، ومقادير استقرار الإيقان، فإن استقر جبل الوجود في مقام إيمانه وإيقانه حين تجلى المعبود، ولم يتزلزل ولم يتزعزع من مقامه حين الشهود، حينئذ استعد للقاء الله، واستحق للوقوف بين يدي الله، والتشرف برؤية الله، ثم تجلى الرب لأحد من تلك الأمة ممن كان من رؤساء الشعب، ومن جبال الإيمان والإيقان، فاندك وجوده، وتضعضع إيمانه، واضطرب إيقانه، فانصعق موسى من ذلك الامتحان، وعرف مقدار صعوبة الافتتان، فندم على ما سأل الرؤية للطالبين، ورجع في الحين، وقال: «سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين» (١).

فأنت ترى هنا أن هذا الرجل قد صرف لفظ (الجبل) عن معناه الأصلي وهو الذي ورد في الأخبار من أنه جبل طور سيناء - إلى معنى مجارى وهو الرجل الذي يكون إيمانه راسخا ويقينه ثابتا - من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، ولعل الذي دفعه إلى هذا التأويل المنحرف هو أنه يؤمن - كغيره من البهائيين - أن الله لا يتجلى بذاته، وإنما يتجلى في صور الأنبياء، وأن تجليه الأعظم إنما هو في ظهور (البهاء)، ويصور لنا عباس (عبد البهاء) هذه العقيدة الضالة فيقول: «وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجيء رب الجود والرب الأولى ومخلص العالم الذي لا بد منه في آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء عبارة عن تجليه في الهيكل البشري، كما تجلي في هيكل (عيسى) الناصري، إلا أنه تجليه في هذه المرة أتم وأكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيأوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلي الأعظم، يريد بهذا أن الله تجلى فيه بأعظم من تجليه في أجسام الأنبياء على ما يزعم»، وقال مهذارهم أبو الفضل الإيراني: «فكل ما توصف به ذات الله، ويضاف ويسند إلى الله من العزة والعظمة، والقدرة والعلم، والحكمة والإرادة والمشيئة وغيرها من الأوصاف


(١) التفسير والمفسرون ج ٢ ص ٢٧١، ٢٧٢

<<  <  ج: ص:  >  >>