للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النخعي المعروف بالأشتر، لما اشتهر ذكر وفاته، وأخبر بمماته، ومقامه معلوم لديك في الفصاحة والبراعة، ورسائله وخطبه استغنية عن المدح والإطراء بالطلاوة والصناعة وعبارته هذه مذكورة في (نهج البلاغة)، وهذه استعارة في غاية المناسبة واللطافة، حيث أن أكابر الرجال هم بمنزلة الأوتاد، لاستقرار أرض المعارف والديانة، أو الأمة والدولة، وكثيرا ما أطلقه داود في مزاميره، وسائر الأنبياء من بني إسرائيل في كتبهم على الرب تعالى، كما جاء في مزمور (٤٢): (أقول الله صخرتي: لماذا نسيتني) وجاء في مزمور (٧١): (كن لي صخرة وملجأ أدخله دائما، أمرت بخلاصي لأنك صخرتي وحصني) إلى كثير من أمثالها، فإذا عرفت هذا فاعلم أن موسى إنما طلب رؤية الله تعالى بسبب اقتراح الشعب عليه أن يريهم الله، كما يدلك عليه قوله تعالى: ﴿أرنا الله جهرة﴾ (١) إلا أن الله تعالى أخبره بأن رؤيته موقوفة باستقرار جبال المعلم والإيمان، في مكانهم من الإذعان واليقين، ولكنهم بسبب عدم بلوغهم إلى المقام الثابت الراسخ المكين، من العلم والمعرفة واليقين، فلا بد وأن تندك جبال وجودهم، ويتزعزع بنيان إذعانهم المعبودهم حين لقائه، فيتبدل إيمانهم بالكفر، ويقينهم بالشك، وإقبالهم بالإعراض، حيث لم تكمل بعد مراتب عرفإنهم، ولم يبلغ إلى الدرجة العليا بنيان إيمانهم، فلم يبلغوا بعد إلى رتبة استحقاق الرؤية واللقاء ولم يصعدوا إلى درجة الاستقرار والبقاء، فلا بد من ظهور الأنبياء وقيام الأصفياء، لتربية أشجار الوجودات البشرية، وتكميل معارفهم بالإيمان على مر الدهور وطي العصور، حتى يبلغوا إلى درجة التمكن والاستقرار، حينئذ يتجلى عليهم رب الأرض والسماء، ويتشرف البالغين منهم إلى درجة المشاهدة واللقاء، فخلاصة تفسير الآية الكريمة: أن موسى قال رب أرني انظر إليك، حيث إن الشعب طلبوا منه رؤية الله تعالى، فأجابه الله تعالى بأنك لن تراني، لأن بني إسرائيل لم يبلغوا بعد إلى درجة كمال


(١) سوره النساء: ١٥٣

<<  <  ج: ص:  >  >>