والوجه الثاني: أنه قال إن المواعدة كانت بالإلهام لا بالوحي، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، وهذا الذي قاله مخالف لما هو معروف من أن مواعدة الله للرسل وخطاباته معهم لا تكون إلا بطريق الوحي الكريم، إذ أننا لا نلجأ إلى تأويل هذه الأشياء بالإلهام إلا إذا كانت هناك ضرورة تقتضى ذلك، مثل أن تسند إلى إنسان لم تثبت نبوته أو حيوان. ففي هذه الحالة نحملها على الإلهام دون غيره.
والوجه الثالث: أنه فسر الآية على أساس أنها تصور لنا أن موسى ﵇ بعث على رأس الأربعين، وأن ميقات ربه هو الوقت الذي بعثه الله فيه رسولا إلى فرعون وملئه، وهذا الذي قاله مخالف للسياق، إذ أن الآيات السابقة تتحدث عن إغراق فرعون في البحر، ومجاوزة موسى بنى إسرائيل البحر، ونجاتهم من فرعون وعمله، والآيات اللاحقة تشير إلى نزول التوراة على موسى ﵇، فسياق الآيات يقضى بأن المواعدة هنا إنما كانت في الفترة ما بين هذا وذاك، فقد روى أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ﵇ ربه الكتاب، فأمره الله أن يصوم ثلاثين، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام، ولما أتم موسى ﵇ الأربعين ليلة جاء لميقات ربه، قال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (١٤٣) قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (١٤٤) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (١٤٥)﴾ (١).