للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيقول: المراد بالليل - كما سمعته مني مرارا هي عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة، واليوم - على حسب ما نزل في التوراة المقدسة - يحسب كل يوم واحد بسنة واحدة، وكان موسي لما فارق أرض مصر، وفر من فرعون وملئه إلى مدين كان ابن ثلاثين، وأقام في مدين عشر سنوات، يشتغل فيها برعي أغنام (شعيب) النبي ، وكان في طي هذه المدة التي كانت كالليالي المظلمة، والدياجي الكالحة من ظلم الفراعنة، وأوهام الصابئة، مشتغلا بتهذيب نفسه، وتطييب أعراقه، وتنقية فؤاده، والمناجاة مع ربه في وحدته وانفراده، فلما طاب خلقه، وتم خلقه، بعثه الله نبيا لهداية بني إسرائيل، وإنقاذهم من ذلك الوبيل، فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة، أقام موسى في أثنائها في مصر ومدين، ولا تنافي كلمة (واعدنا) هذا التفسير، حيث ظاهرها يقتضي تكلم الرب مع موسى قبل بعثته، فإن أمثال هذه الكلمة كثيرا ما أطلقت على ما ألقي في الروع، وألهم في القلب، حتى على الحيوانات، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا﴾ إلخ (١).

وهذا التأويل الشاذ الذي انفرد به هذا الرجل مخالف لما أجمع عليه المفسرون من وجوه:

الوجه الأول: أنه فسر الليالي بالأعوام، واستند في تفسيره هذا إلى نص جاء في التوراة، فهل يصح الرجوع في تفسير كلمة عربية وردت في القرآن الكريم إلى أشياء جاءت في التوراة، الله أعلم بصحتها، ومن المعلوم بداهة أن تفسير الليالي بالأعوام أمر لم يعهد في لغة العرب، إذ الليالي شيء والأعوام شيء آخر.


(١) التفسير والمفسرون جـ ٢ صـ ٢٦٩ نقلا عن كتاب: (رسائل أبي الفضائل)، والآية الأخيرة هي رقم ٦٨ من سورة النحل ..

<<  <  ج: ص:  >  >>