للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأن غرضه ظواهرها، وكيف لا وقد رغبهم فيها وأرهبهم بها، وكررها على آذانهم، ووعتها قلوبهم، وطرقت أسماعهم مرة بعد مرة، وكل ذلك لا يعقل إلا وظواهرها مفهومة يعقلونها، ويصغون آذانهم إليها، فأما إذا كان القصد منها غير ظاهرها، وأن تحتها أسرارا لم يعقلوها، ورموزا لم تخطر لأحد منهم على بال فهذا هذيان، واستئصال لقواعد الشريعة، واجتهاد في محو رسوم المسلة» (١).

هذا ما قاله الإمام يحيى بن حمزة العلوي في رده على الباطنية الذين يعتمدون على التأويل الباطني، والتفسير الرمزي، وقد سبقه - في هذا المجال - الإمام أبو حامد الغزالي فهدم نظرية الباطنية التي تقول إن مصدر التأويل الباطني هو الإمام المعصوم، وكان هدمه لهذه النظرية من وجهين:

الوجه الأول: أنه أثار الشكوك في صدق الإمام المعصوم بزعمهم فيما يصدر عنه من تأويل باطني، وقال لهم: كيف تصدقون الإمام بدون معجزة، ولا تصدقون الرسول مع المعجزات؟

والوجه الثاني: أنه أثار الشكوك في قول الإمام المعصوم على فرض صدقه، حيث بين أن ظاهر اللفظ الذي صدر عن الإمام في تأويله الباطني للنصوص محتمل كذلك لا محالة للرمز والباطن، ومادام ظاهر اللفظ محتملا للرمز والباطن فكيف يتم لهم ما يدعون؟ ألست ترى أن الغزالي هنا يحاربهم بنفس السلاح الذي شهروه وهو سلاح الرمز والباطن؟

واستمع معي إلى الإمام الغزالي وهو يناقشهم بالأدلة الدامغة، ويفحمهم بالبراهين القاطعة. فيقول بصدد تأويلهم الحشر والنشر والجنة والنار بالرموز: «لو قال الباطني: أخبرني الإمام المعصوم أن البعث مستحيل فصدقته قيل له: وما الذي دعاك إلى تصديق الإمام المعصوم بزعمك،


(١) مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار ص ٥٦، ٥٧

<<  <  ج: ص:  >  >>