للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والحديث الصحيح يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى فتلك شبهة واهية، لأنا لا نسلم أن الحلف بغير الله مطلقا منهي عنه، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب التعظيم، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلا فلا بأس به، فقد جاء في الخبر: «أفلح وأبيه إن صدق»، وأيضا ذكر بعض العلماء أن هذه القراءة لا تفيد معنى الحلف، وإنما تفيد معنى التوسل والاستعطاف، وعلى ذلك فليس في هذه القراءة ما يقتضي تقرير الحلف بالأرحام، المنهي عنه في الحديث الصحيح، قال الآلوسي : «وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف، وليس هو كقول القائل: والرحم لأفعلن كذا، ولقد فعلت كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء» (١).

من هذا كله يتبين لنا أن قراءة حمزة هنا قراءة صحيحة يجب قبولها ولا يجوز ردها، وقد نص أئمة القراء على أن الاعتماد في قبول القراءة إنما يتوقف على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، لا على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، وفي ذلك يقول أبو عمرو الداني - فيما نقله عنه ابن الجزري -: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها» (٢).

وأيضا يقول الإمام القشيري - في مقام الرد على من انتقد قراءة حمزة هذه -: «ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي فمن رد ذلك فقد رد على النبي ، واستقبح ما قرأ به، وهذا


(١) تفسير الآلوسي ج ٤ ص ١٨٤، ١٨٥
(٢) النشر ج ١ ص ١٠، ١١

<<  <  ج: ص:  >  >>