وهذا ميدان فسيح لأهل البدع والأهواء، وأصحاب الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن، فقد حمل بعضهم ألفاظ القرآن الكريم على معان ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها دليل ولا برهان، وإنما هي أوهام وترهات، وأكاذيب وضلالات، وقد غفل هؤلاء عن حقيقة لا يعزر أحد بجهلها، وهي أنه ليس كل ما يحتمله اللفظ من المعاني جائزا في تفسير القرآن الكريم، فقد يكون اللفظ - من حيث العربية - يحتمل معنى من المعاني، إلا أن هذا المعنى لا يصح حمل القرآن عليه حيث قام الدليل على فساده وبطلانه، وفي هذه الحالة يكون حمل القرآن عليه ضربا من ضروب الإلحاد في آيات الله، وتحريفا للكلم عن مواضعه، وكذبا علي الله تعالى، وجهلا فاضحا بحقائق التنزيل، ومن أمثلة ذلك ما ذكره بعض الجهلة في تفسير قوله تعالى: ﴿قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (١) فقد قال إن معنى (ليس من أهلك) إنه ابن زنا، وهذا قول شنيع يدل على الجهل بمقام النبوة، ثم إن هذا القول مردود بنص القرآن الكريم، فإن الله تعالى قال - قبل هذه الآية -: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ (٢) فنسب الابن إليه، وهذا دليل قاطع علي أنه ابنه لصلبه، إذ من المستحيل أن يكون ابن زنا وينسبه الله إليه، كما يرد هذا القول أيضا أن نوحا قال: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ (٣)، فاشتمل كلامه على أمرين: نسبة الابن إليه، وأنه من أهله، ورد الله عليه فقال: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، فأقر ببنوته، ونفى أنه من أهله الناجين، ولو لم يكن ابنه لقال له: ليس البنك وليس من أهلك (٤).
ويرد هذا القول كذلك بأن الأنبياء لا يجوز في حقهم ما قد يجوز على بعض الناس من أن زوجاتهم يزنين ويحملن من سفاح، وصدق من قال:
(١) سورة هود: ٤٦. (٢) سورة هود: ٤٥. (٣) سورة هود: ٤٥. (٤) انظر بدع التفاسير ص ٦٨ بالهامش.