للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل، ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، ولو كان ما نحلوا إليه على تقديرهم وأولهم لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله يحتج عليهم بالقرآن، ويجعله العلم لنبوته، والدليل على صدقه، ويتحداه في موطن بعد موطن على أن يأتي بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام مع اللب والنهي، وأصالة الرأي، وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون: هو سحر، ومرة يقولون: هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله تعالى عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جدبوه (١) من الجهة التي جدبه منها الطاعنون، فأحببت أن أنضح (٢) عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألفت هذا الكتاب، جامعا لتأويل مشكل القرآن (٣).

وقد بين العلماء الفرق بين التعارض أو الاختلاف الحقيقي، وبين التعارض أو الاختلاف الظاهري، فقال الصيرفي: «جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ: ما ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء، ولن يوجد في الكتاب ولا في السنة شيء من ذلك أبدا،


(١) الجدب كالعيب وزنا ومعنى، وبا به ضرب، وفي الحديث «أنه جدب السمر بعد العشاء»، أي ما به اه من مختار الصحاح.
(٢) الضح: الرش، وبابه ضرب، ونضح البيت رشه اهـ من مختار الصحاح.
(٣) تأويل مشكل القرآن بتحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر ١٧، ١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>