للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها، وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي، وقيل: الذي ألقى شيطان الإنس، كقوله ﷿: ﴿والغوا فيه﴾ (١).

وممن ذهب كذلك إلى عدم صحة هذه الرواية وبين أن معنى الآية لا يتوقف عليها الإمام شهاب الدين الألوسي البغدادي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ فقد قال «بعد أن ذكر بالتفصيل وجهة نظر أولئك الذين حكموا بصحة هذه الرواية -: «لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد» (٢)، فإن الطاعنين فيه - من حيث النقل علماء أجلاء، عارفون بالغث والسمين من الأخبار، وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه، فلم يروه إلا مردودا، وما ألقى الشيطان إلى أوليائه معدودا، وهم أكثر ممن قال بقبوله، ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق، فرأوهم مجروحين، وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري أن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة، ثم وفق الله تعالي جمعا من خاصته لا بطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله ، ثم نسخه ، لاسيما وهو مما لم يتوقف علي صحته أمر ديني، ولا معنى آية ولا ولا سوى أنه يتوقف عليه حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين، لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد، ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الآيات، فقد قال سبحانه .. في وصف القرآن ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣) والمراد بالباطل ما كان باطلا في نفسه، وذلك الملقى كذلك» (٤).


(١) تفسير القرطبي ج ١٢ ص ٨١
(٢) القتاد - كسحاب - شجر صلب له شوك كالإبر، وخرط الشجر يخرطه - من باب ضرب وقتل - انتزع الورق منه اجتذابا بالكف، وفي المثل (من دون ذلك خرط القتاد) ويضرب للأمر الذي تحول دون تحققه الموانع.
(٣) سورة فصلت: ٤٢.
(٤) تفسير الآلوسي ج ١٧ ص ١٨٢

<<  <  ج: ص:  >  >>