والجرح له مراتب أشدها ثلاثة وفيها يكون الراوي ساقطا لا يكتب حديثه ولا يعتبر به - المرتبة الأولى - وهي أقلها - أن يقولوا، (مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو طرحوا حديثه، أولا يساوى شيئا)، والمرتبة الثانية - وتزداد قبحا عن الأولى - أن يقولوا:(متروك الحديث، أوساقط، أو لا يعتبر بحديثه، أو متهم بالكذب أو بالوضع)، والمرتبة الثالثة - وهي أقبح المراتب الثلاثة - أن يقولوا:(كذاب. أو دجال، أو وضاع، أو يضع الأحاديث)(١).
ومما يدل على الدقة المتناهية لدى علماء الجرح والتعديل أنهم قالوا: إن الذي يكذب في حديث الرسول ﷺ لا تقبل روايته بحال، وإن تاب عن الكذب، بخلاف الذي يكذب في حديث الناس، ثم يتوب، فإن روايته تقبل بعد التوية، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير:«التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته، خلافا لأبي بكر الصيرفي، فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمدا فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدى شيخ البخاري: أنه لا تقبل روايته أبدا، وقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه»(٢). وعلق الشيخ أحمد شاكر على كلام ابن كثير هذا فقال: «ورد النووى هذا، فقال - في شرح مسلم -: (المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم)، والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب على رسول الله ﷺ، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، فلا يقاس الكذب في الرواية
(١) انظر تدريب الراوي ج ١ ص ٣٤٧ (٢) الباعث الحثيث ص ١١٢.