ويصف الدكتور مصطفى السباعي هذا العلم بأنه من أجل العلوم التي نشأت عن تلك الحركة المباركة - يعني حركة العلماء وجهودهم في مقاومة الوضع - لا نعرف له مثالا أيضا في تاريخ الأمم الأخرى، وقد أدى إلى نشأة هذا العلم حرص العلماء علي الوقوف على أحوال الرواة، حتي يميزوا بين الصحيح وغيره، فكانوا يختبرون بأنفسهم من يعاصرونهم من الرواة، ويسألون السابقتين ممن لم يعاصرونهم، ويعلنون رأيهم فيهم دون تحرج ولا تأثم، إذ كان ذلك ذبا عن دين الله وسنة رسوله ﷺ، وقد قيل للبخاري: إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ يقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية، ولم نقله من عند أنفسنا، وقد قال النبي ﷺ:«بئس أخو العشيرة المغتاب»(١).
وإذن فالباعث على وضع هذا العلم هو صيانة السنة والذب عنها، وتمييز ما صح من الأحاديث عن غيره، وقد أجاز العلماء الجرح - وهو بيان حالة الراوي من كذب أو فسق أو جهل أو زندقة أو اعتقاد فاسد ونحو ذلك لما يترتب عليه من صيانة الشريعة والذب عنها، وبيان ما تطرق إلى السنة - وهي الأصل الثاني للدين - من أحاديث موضوعة وضعيفة ومنكرة وشاذة، ولا يعد تجريح الراوي هنا من باب الغيبة المحرمة شرعا قال أبو بكر بن خلاد ليحى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول لي:«لم لا تذب الكذب عن حديثي» وقال أبو تراب النخشبي لأحمد بن حنبل: لا تغتب العلماء، فقال له أحمد:«ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة»، وقال بعض الصوفية لابن المبارك:«تغتاب؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف نعرف الحق من الباطل»(٢).
(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٠٦. (٢) تدريب الراوي ج ٢ ص ٣٦٩