أما التاريخ فقاطع بأنة لم يقع في حياة الرسول أن أحدا ممن أسلم وصحبه زور عليه كلاما، ورواه على أنه حديثه ﵊، ولو وقع مثل هذا لتوافر الصحابة عن نقله لشناعته وفظاعته، كيف وقد كان حرصهم شديدا على أن ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ، حتى مشيه وقعوده، ونومه ولباسه، وعدد الشعرات البيض في رأسه الشريف؟
وأما الحديث المذكور فقد اتفقت كتب السنة الصحيحة المعتمدة على أن الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم، فقد أخرج البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من طريق عبد الله بن عمرو - أن النبي ﷺ قال:«بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وروى مسلم من طريق أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:«انقوا الحديث على إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وروى الإمام أحمد عن أبي موسى الغافقي أنه قال: إن رسول الله ﷺ كان آخر ما عهد إلينا أن قال: «عليكم بكتاب الله، وسترجعون إلى قوم يحبون الحديث عني، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن حفظ شيئا فليتحدث به»، ورواه غيرهم أيضا بهذا المعنى.
وظاهر من هذه الروايات أن النبي - وقد علم أن الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة - نبه بصورة قاطعة على وجوب التحري في الحديث عنه، وتجنب الكذب عليه بما لم يقله، ووجه الخطاب في ذلك إلى صحابته، لأنهم هم المبلغون إلى أمته من بعده، وهم شهداء نبوته ورسالته، وليس في هذه الروايات إشارة قط إلى أن هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النبي ﷺ(١).