الكريم لكل منهما على حدة، كما هي عادة الكتب التي يؤلفها الناس، بل نجد القرآن قد عرض لهذه الموضوعات والقضايا في أماكن متعددة، ومواضع كثيرة وأوردها متفرقة هنا وهناك في سوره وآياته، والحكمة في ذلك - كما يقول المرحوم الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت، عند تعرضه للحديث عن آيات الأحكام المتفرقة في القرآن - هي أن لهذه الطريقة إيحاء خاصا، وهو أن جميع ما في القرآن - وإن اختلفت أماكنه، وتعددت صوره وأحكامه، فهو وحدة عامة لا يصح تفريقه في العمل، ولا الأخذ ببعضه دون البعض، وكأنه - وقد ملك هذا المسلك - يقول للمكلف.
وهو يحدثه عن شئون الأسرة وأحكامها مثلا -: لا تلمك أسرتك وشئونها من مراقبة الله فيما يجب له من صلاة وخشوع، ولا ريب أن لمثل هذا الإيحاء تأثيرا في المراقبة العامة، وعدم الاشتغال بشأن من شأن، فيكمل للروح تهذيبها، وللنفس صلاحها، وللعقل إدراكه، وللمجتمع صلاحه (١).
نعود - بعد ذلك - إلى ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، ماذا يعني بعبارته تلك؟ إنه يقول: إن أصح طرق التفسير وأحسنها أن يفسر القرآن بالقرآن، فما اختصر في مكان من القرآن تجد له بسطا في مكان آخر، وما أجمل في موضع تجد له بيانا في موضع آخر، وما أطلق في آية تجده مقيدا في آية أخرى، وما ورد عاما في سورة تجدة مخصوصا في صورة أخرى، وما ورد من أحكامه في موضع قد يجيء بيان نسخه في موضع آخر، وما جاء من القراءات فقد يحمل على عنى التفسير وهكذا.
ذلك هو ما يعنيه ابن تيمية من عبارته سالفة الذكر، وتلك - لعمر ربي - صيحة أطلقها هذا العالم الجليل في أواخر القرن السابع الهجري