أن يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح المتكلم وسياق الكلام» (١).
كذلك نجد القرطبي - في مقدمة تفسيره - يذكر كلاما قريبا من هذا الكلام الذي ذكره ابن تيمية، فيقول القرطبي - في بيان ما ورد من النهي عن تفسير القرآن بالرأي -: «وإنما النهي يحمل على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك».
ولكن مقصوده أن يلبس على خصمه؛ وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه، وتارة يكون له فرض صحيح، فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى (٢)﴾ ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون، وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينا للكلام، وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع، لأنه قياس في اللغة، وذلك غير جائز، وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذاهبهم.
(١) مقدمة في أصول التفسير ص ٧٩ - ٨١. (٢) سورة طه - آية: ٢٤.