أن الفعل المضارع هنا وهو (يصطفي) يفيد الاستقبال، ويقتضي استمرار الاصطفاء دائما، كما أن قول الله تعالى: ﴿ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء﴾ (١) يدل على أن الله دائما يجتبي من رسله من يشاء، ومتى ثبت ذلك فإن نبوة (غلام أحمد) في زعمهم إنما جاءت مصداقا لهاتين الآيتين الكريمتين.
وهذا الاستدلال فاسد، لأن الفعل المضارع هنا لا يراد به الاستقبال، وإنما يراد منه المضى، والقرينة التي تصرف المضارع عن معناه الحقيقي هنا إلى هذا المعنى المجازي هي ما ثبت - بالدليل القطعي من الكتاب والسنة - من أنه لا نبي بعد محمد ﷺ، والعدول عن الماضي إلى المضارع هنا للدلالة على تجدد الفعل فيما مضى واستمراره، واستحضار الصورة العجيبة في ذهن السامع، كأنها مشاهدة أمامه الآن.
وقد أورد الشيخ محمد الخضر حسين شبهة القاديانية في هذا المجال، وأتبعها بالرد عليها فقال ﵀: «ينكرون - يعني القاديانيين - أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ويوردون على هذا شبها لا تزن عنه أولي العلم جناح بعوضة، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾، متشبثين بأن قوله (يصطفي) فعل مضارع، والمضارع للاستقبال، ودفع هذه الشبهة أن الفعل الواقع في الماضي قد يعبر عنه بصيغة المضارع لمقتضيات بلاغية، منها أن يكون للمعنى البليغ غرابة، فإن المضارع من جهة دلالته على الحل يتوسل به المتكلم إلى موضوع إخراج الحادث الغريب في صورة الواقع في الحال، ليبلغ تعجب المخاطب من وقوعه مبلغ تعجبه من الصورة البديعة في حال مشاهدتها، وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (٢) قال: (فيكون) والموضع في الظاهر للماضي: (فكان)، لأن وجود إنسان من غير أب حادث غريب،