للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد دافع أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود عن هذا الرأي الذي ينسب الصوفية إلى الصوف فقال : «وإذا كانت هذه الكلمة تنتسب إلى الملبس - وهو مظهر وشكل ورسم - فليس معنى ذلك أن التصوف مظاهر وأشكال، وليس من المحتم دائما أن يكون المعنى الأصلي للاسم هو المراد مما وضع الاسم له، إذ المعنى الأصلي قد يتطور ويتغير ويختلف، وقد يقصد عكسه، ومن أجل ذلك فإنه لا مجال لتخوف هؤلاء الذين لا يريدون أن ينسبوا التصوف إلى الصوف بحجة أن انتسابه إلى المظاهر يحط من شأنه، حقيقة أن الباحثين كثيرا ما يجدون صلة وثيقة بين المعنى الأصلي للاسم وما وضع الاسم له، أو بين الاسم والمسمى، ولكن ذلك ليس مطردا، والواقع أن التصوف أصبح معنى معروفا لاشان له بالمظاهر والأشكال» (١).

وتعليقا على ذلك نقول: إن ابن خلدون قد ذكر لنا في مقدمته - كما سبق أن وضحنا - صلة وثيقة بين الصوفية والصوف، فقال: إن القوم كانوا في الغالب مختصين بلبس الصوف الخشن على سبيل التقشف مخالفين بذلك ما كان عليه الناس من التحلي بفاخر الثياب، والتمتع بزينة الحياة الدنيا، فمن هنا سموا بالصوفية، وأطلق هذا الاسم عليهم منذ ذلك الحين، وهذا الذي ذكره العلامة ابن خلدون لا يتعارض قط مع ما يراه أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود من أن التصوف أصبح معنى معروفا لا شأن له بالمظاهر والأشكال.

ولقد أشار أستاذنا إلى هذه الصلة، فقال - بعد قليل -: «ولقد رأى هؤلاء الزهاد - من ناحية الملبس - في الصوف ما يحقق أهدافهم التي تتصل بالتقشف والشظف والخشونة، فهو متين رخيص


(١) انظر مقدمة (المنقذ من الضلال) للدكتور عبد الحليم محمود ص ٢٩، ٣٠

<<  <  ج: ص:  >  >>