للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على مواطن العظات والعبر، ولم يعن القرآن كثيرا بالتفاصيل والجزئيات، أما التوراة والإنجيل فهما - على العكس من ذلك - يسرفان في التفاصيل، ويستطردان - في القصص - إلى الجزئيات، ومن ثم كان بعض هؤلاء المفسرين - بحكم غريزة حب الاستطلاع - يحاولون أن يتعرفوا من مسلمة أهل الكتاب على هذه التفاصيل والجزئيات بالنسبة لأخبار الأولين، وقصص السابقين، وعلى رأس هؤلاء مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠ هـ الذي نسبه أبو حاتم إلى أنه استقى علومه بالقرآن من اليهود والنصارى، وجعلها موافقة لما في كتبهم (١).

كذلك يرجع ابن خلدون إقبال المسلمين على أهل الكتاب في نقل هذه الإسرائيليات إلى اعتبارات اجتماعية ودينية، فالاعتبارات الاجتماعية هي أن العرب كانوا أمة أمية، يغلب عليها طابع البداوة، وكانوا يتطلعون إلى معرفة شيء عن بدء الخليقة وأنباء القرون الأولى، فلجأوا إلى أهل الكتاب يلتمسون منهم ذلك، والاعتبارات الدينية هي أن هذه الأخبار التي أخذت عن أهل الكتاب لا تمت بصلة إلى جوهر الدين الإسلامي، وعقائده الأساسية، وأحكامه الشرعية، وحيث كان جوهر الدين بعيدا عن هذا كله ومصونا فلا حرج حينئذ من رواية مثل هذه الأخبار التي تتعلق بقصص الأولين، وأنباء السابقين، ومن هنا دخلت الإسرائيليات في كتب التفسير، تلك التي تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود (٢)، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وقد جمع المتقدمون في ذلك - يعني في التفسير


(١) وفيات الأعبان جـ ٢ ص ٥٦٨ والاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص ٢٦.
(٢) انظر منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم ص ١٧٨، ١٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>