فبعضهم قال: لا نعطيهم أمانًا ونأخذهم ونتسلم منهم ما بأيديهم من الساحل مثل عكا وصور (١)، ثم اتفقت آراؤهم على إجابتهم إلى الأمان لطول مدة البيكار ولضجر العساكر لأنهم كان لهم ثلاث سنين وشهورًا في القتال، فأجابهم الملك الكامل إلى ذلك. وطلب الفرنج رهينة من الملك الكامل فبعث ابنه الملك الصالح أيوب (٢) وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الفرنج، وحضر من الفرنج على ذلك رهينة وهو ملك عكا ونائب البابا (٣) صاحب رومية الكبرى وكندريس صاحب صور وغيرهم من الملوك. وكان ذلك سابع رجب هذه السنة، واستحضر الملك الكامل ملوك الفرنج المذكورين وجلس لهم مجلسًا عظيمًا، ووقفت بين يديه الملوك من إخوته وأهل بيته وسلّمت دمياط إلى المسلمين تاسع عشر رجب هذه السنة، وقد حصنها الفرنج إلى غاية ما يكون، وولاها السلطان الملك الكامل للأمير شجاع الدين جلدك (٤) التقوي أحد مماليك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهنأت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم، وفي جلوس الملك الكامل ووقوف إخوته المعظم عيسى والأشرف موسى لديه بحضور ملوك الفرنج، والخيالة والرعب يريهم الموت أو حياله، قال راجح الحلّي:(٥)[الطويل]
هنيئًا فإن السعد راح مُخلّدا … وقد أنجز الرحمن للنصر مَوْعِدا (٦)
حيانا إله الخلق فتحًا بدا لنا … مبينًا وإنعامًا وعزًّا مُؤبّدا
تهلل وجه الدهر بعد قُطُوبِهِ … وأصبح وجه الشرك بالظلم أرْبَدا (٧)
ولما طغى البحر الخضم بأهله … الطغاة وأضحى بالمراكب مزيدا
(١) بدل (صور) في المختصر (وغيرها). (٢) الملك الصالح أيوب، صاحب مصر فيما بعد، ولد بالقاهرة سنة ٦٠٣ ومات بالمنصورة سنة ٦٤٧ هـ. انظر ترجمته وأخباره في شفاء القلوب ص ٣٦٧ ومرآة الزمان ٦/ ٣٦١ والحوادث الجامعة ٢٤٥، والسلوك ١/ ٢٩٦ وذيل الروضتين ١٨٣ والشذرات ٥/ ٢٣٧. (٣) في الأصل: الباب. (٤) جلدك التقوي، أبو المظفر كان دينًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا، مات بالقاهرة سنة ٦٢٨ هـ وقد ناهز الثمانين انظر: وفيات الأعيان ١/ ١٦٧. (٥) شرف الدين راجح بن إسماعيل الحلّي، كان شاعرًا أديبًا حسن الأسلوب، توفي بدمشق سنة ٦٢٧ هـ، انظر: فوات الوفيات ٢/ ٧ والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٧٥ وعبر الذهبي ٥/ ١٠٨. (٦) الأبيات في شفاء القلوب ٣٠٧ ولم ترد في المختصر، وبعضها في الشذرات ٥/ ٧٩ ومرآة الجنان ٤/ ٣٩ والبداية والنهاية ١٣/ ٩٥. (٧) في الشفاء: أسود.