فسار (١) السلطان الملك الملك الأشرف بالعساكر إلى عكا فتوجه المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل صحبته إلى حصن الأكراد، وساقوا منه منجنيقًا عظيمًا يسمى المنصوري حمل مائة عجلة، وكان المسير (٢) بالعجل في أواخر فصل الشتاء، واتفق وقوع الأمطار والثلوج بين حصن الأكراد ودمشق، فحصل بسبب ذلك شدّة عظيمة، والحاصل إنه اجتمع على عكا من المجانيق الصغار والكبار ما لم يجتمع على غيرها، وكان نزول العساكر الإسلامية عليها في أوائل جمادى الأولى. واشتد عليها القتال، ولم يغلق الفرنج غالب أبوابها، بل كانت مفتوحة، وهم يقاتلون فيها، وكانت منزلة الحمويين برأس الميمنة. وكانت على جانب البحر على اليمين (٣) إذا واجه الشخص عكا، فكان يحضر المراكب المقببة بالخشب. الملبس جلود الجواميس، والفرنج من تحتها يرمون بالنشاب والجروخ، وأحضروا بطسة، وفيها منجنيق يرمي به على المسلمين وعلى خيامهم من جهة البحر حتى اتفق في بعض الليالي هبوب رياح قوية، فاندفع المركب وانحط بسبب الموج، فانكسر المنجنيق الذي في المركب، فانحطم، وكان المسلمون قد قاسوا منه شدّة عظيمة وخرج الفرنج في أثناء مدة الحصار بالليل وكبسوا العسكر، فهزموا اليزكية واتصلوا إلى الخيام، وتعلقوا (٤) بالأطناب، ووقع منهم فارس في جوة (٥) مستراح بعض الأمراء، فقتل هناك، وتكاثرت عليهم العساكر فولى الفرنج منهزمين إلى البلد، وقتل عسكر حماة عدة منهم م (٦)، فلما أصبح الصباح علق الملك المظفر (٧) من رؤوس الفرنج في رقاب خيولهم التي كسبها العسكر منهم، وأحضر ذلك إلى السلطان الملك الأشرف واشتدت مضايقة العسكر لعكا، حتى فتحها الله لهم في يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة بالسيف. ولما هجمها المسلمون هرب من أهلها جماعة في المركب وكان بداخل البلدة عدة أبرجة عاصية بمنزلة قلاع دَخَلَها عالم عظيم من الفرنج، وتحصنوا بها، وقتل المسلمون وغنموا من عكا شيء يفوت الحصر من كثرته، ثم استنزل السلطان جميع من عصي
(١) المختصر ٤/ ٢٤ وانظر الخبر في خطط المقريزي ٣/ ٩٤ وعيون التواريخ (٦٨٨ - ٦٩٩ هـ) ص ٩٦ والبداية والنهاية ١٣/ ٣١٩ والنجوم الزاهرة ٥/ ٨ والحوادث الجامعة (تحقيق مهدي نجم) ص ٣٢٠. (٢) في المختصر: مسيرنا، وكان مؤلف المختصر قد حضر مع عسكر حماة حصار عكا وشارك في فتحها. (٣) في المختصر: فكنا على جانب البحر والبحر عن يميننا إذا واجهنا عكا. (٤) الأصل: وتغرقلوا. (٥) الأصل: جودة. (٦) الأصل: وقتل عسكر جماعة، وهو تصحيف لما ورد في المختصر. (٧) صاحب حماة، وصاحب المختصر يتحدث عن عسكر حماة حيث شاركهم في حصار عكا.