غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب حمى حادة، ولما اشتدّ مرضُه أخضر القضاة والأكابر وكتب نسخة اليمين، أن يكون الملك بعده لولده الصغير الملك العزيز ثم بعده لولده الكبير الملك الصالح صلاح الدين أحمد وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف، وحَلَفَ الأمراء والأكابر على ذلك، وجعل الحكم في الأموال والقلاع إلى شهاب الدين طغريل الخادم وأعذق (١) جميع أمور الدولة، وفي ثالث عشر جمادى الآخرة أقطع أخوه (٢) الملك الظافر خضر المشمر (٣) كفر سوداء وأخرج من حلب في ليلته بالتوكيل، وأخرج علم الدين قيصر مملوك الملك الظاهر إلى حارم نائبًا.
وفي خامس عشر جمادى الآخرة: اشتدّ مرض الملك الظاهر، ومنع الناس الدخول إليه، وتوفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة وكان مولده بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة وكان عمره أربعًا وأربعين سنة وشهورًا، وكان مدة ملكه لحلب من حين وهبها له أبوه إحدى وثلاثون سنة، وكان فيه بطش وإقدام على سفك الدماء. ثم أقصر عنه، وهو الذي جمع شمل البيت الناصري الصلاحي، وكان ذكيًا فطنًا. وترتب الملك العزيز (٤) في المملكة، والأمور كلها إلى شهاب الدن طغريل الخادم، فدبّر الأمور، وأحسن السياسة، وكان عمر الملك العزيز لما قرّر في المملكة سنتين وأشهرًا، وعمر أخيه الملك الصالح (٥) اثني عشرة سنة.
[وفي سنة أربع عشرة وستمائة]
والملك العادل بالديار المصرية (٦)، وقد اجتمعت الفرنج من داخل البحر ووصلوا إلى عكا في جمع عظيم، ولما بلغ العادل ذلك خرج بعساكر مصر، وسار حتى أتى نابلس، فسارت الفرنج إليه، ولم يكن معه من العساكر ما يقدر على مقابلتهم، فاندفع قدامهم إلى عقبة أفيق، فأغاروا على بلاد المسلمين وأغاروا على قرى من بلد السواء، ونهبوا ما بين بيسان ونابلس وبثوا سراياهم، فقتلوا وغنموا من
(١) وفي الأصل: غدق. (٢) كذا في الأصل والمختصر، والصواب: أخاه. (٣) في المختصر: المستمر، لعله من أخطاء الطبع. (٤) الملك العزيز محمد ولد بحلب سنة ٦١٠ هـ ملك حلب، وبها مات سنة ٦٣٤ هـ انظر: شفاء القلوب ص ٣٤٠ ومفرج الكروب ٣/ ٨٧ والسلوك ١/ ٢٤٥ والبداية والنهاية ١٣/ ١٨. (٥) الملك الصالح أحمد ولد سنة ٦٠١ هـ أو ٦٠٠ هـ وتوفى سنة ٦٥١ وشفاء القلوب ص ٢٤٢. (٦) المختصر ٣/ ١١٧ وانظر الكامل ٩/ ٣١٤ وشفاء القلوب ص ٢٢٤ والبداية والنهاية ١٣/ ٧٦.