في رجب كان بالشام زلازل قوية (١)، فخربت بها حماة وشيزر وحمص، وحصن الأكراد وطرابلس وإنطاكية وغيرها من البلاد المجاورة لها حتى وقعت الأسوار والقلاع، فقام نور الدين بن زنكي في ذلك القيام الرضي من تداركها بالعمارة، وإغارته على الفرنج ليشغلهم عن قصد البلاد، وهلك تحت الردم ما لا يُحصى.
ويكفي أن معلم كتاب كان بمدينة حماة فارق المكتب وجاءت الزلزلة فسقط المكتب على الصبيان كلّهم، فلم يحضر أحد ليسأل عن صبي لهلاكهم.
ولما خربت شيزر بهذه الزلزلة وسقط سورها، بادر إليها بعض أمراء نور الدين «محمود بن زنكي، وكان بالغرب منها، فصعد إليها وتسلّمها وتملكها (٢)»، وعمر أسوارها وكانت شيزر لبني منقذ الكنانيين يتوارثونها من أيام صالح (٣) بن مرداس، هكذا ذكر ابن الأثير في الكامل: إن بني منقذ المذكورين ملكوا شيزر من أيام الصالح بن مرداس، وكان ملك صالح بن مرداس حلب في سنة أربع عشرة وأربعمائة، وانقضى ملكه سنة عشرين وأربعمائة.
وقد ذكر ابن الأثير والقاضي شمس الدين بن خلكان والقاضي شهاب الدين ابن أبي الدم الحموي وغيرهما ما يخالف ذلك ونحن نذكر ما قالوه مختصرًا، ثم نرجع إلى ما ذكره ابن الأثير، قالوا: في سنة أربع وسبعين وأربعمائة استولى بنو منقذ على شيزر وأخذوها من الروم، قال ابن أبي الدم: وكان فَتَحَها منهم علي (٤) بن مقلد بن نصر بن منقذ قال: وورد كتابه إلى بغداد يشرح قصته، فمنه بعد البسملة: كتابي من حضرة شيزر حماها الله تعالى، وقد رزقني الله ﷿ من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يأت لمخلوق في هذا الزمان.
(١) عيون التواريخ ١٢/ ٤٩٥ وكامل ابن الاثير ٩/ ٥٣. (٢) ما بين قوسين سقط من الأصل، وأثبت ما في المختصر. (٣) صالح بن مرداس بن إدريس بن نصر بن حميد بن مدرك بن شداد، أسد الدولة الكلابي، من عرب البادية استولى على حلب ونزعها من حكم العبيديين سنة ٤١٧ هـ، فجهز إليه نائب العبيديين بدمشق جيشًا فقتله سنة ٤١٩ هـ، انظر ترجمته في الوافي ١٦/ ٢٧٢ ووفيات الأعيان ٢/ ٤٨٧ وشذرات الذهب ٣/ ٢١٤. (٤) علي بن مقلد الكناني المتوفى سنة ٤٧٣ هـ انظر ترجمته في الوافي ٢٢/ ٢٢٣ والخريدة (قسم شعراء الشام) ١/ ٥٥٢ ومعجم الأدباء ٥/ ٢٣٠ ووفيات الأعيان ٣/ ٤٠٩ والنجوم الزاهرة ٥/ ١٢٤ و ١٦٣.