وإذا عرف الأمر على حقيقته علم أني هرون هذه الأمة، وسليمان الجن والمردة أفرق بين المرء وزوجه، واستنزل القمر من محله، أنا أبو النجم وشعري شعري، نظرت إلى هذا الحصن، فرأيتُ أمرًا يذهل الألباب، يسع ثلاثة آلاف بالأهل والمال، ويمسكه خمس نسوة، فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالخواص، ويسمى هذا التل تل الجسر، فعمرته حصنًا وجمعت فيه أهلي وعشيرتي.
وقفزت قفزةً على حصن الخواص فأخذته بالسيف من الروم، ومع ذلك فلما أخذت مَنْ به من الروم أَحْسَنْتُ إليهم، وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وعشيرتي، وخَلَطْتُ خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بصوت الأذان، فلما رأى أهل شيزر فعلى ذلك وأنسوا بي، ووصل إليهم من الإكرام والإتحاف، فوصل إلي منهم نصفهم، فبالغت في إكرامهم، ووصل إلى مسلم ابن قريش، فقتل منهم من أهل شزر نحو عشرين رجلا، فلما انصرف عنهم مسلم سلموا الحصن إلي.
هذا خلاصة ما ذكره القاضي شهاب الدين المذكور، وبين ما ذكره وما ذكر ابن الأثير من التفاوت أكثر من خمسين سنة، قال الملك عماد الدين: والذي يخطر لي أن ما ذكره ابن الأثير أولى لأن حماة وشيزر فتحتا مع الشام على يد أبي عبيدة بن الجراح ﵁، واستمر الشام للمسلمين إلى حدود سنة تسعين وأربعمائة، فسار الفرنج إلى الشام وملكوا أعاليه بسبب اشتغال ملوك المسلمين بقتال بعضهم بعضًا، ولم يذكر ملكهم لشيزر.
قال ابن الأثير (١): فلما انتهى ملك شيزر إلى نصر (٢) بن علي بن منقذ استمر فيها إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فلما حضَرَه الموت استخلف أخاه مرشد (٣) ابن علي على حصن شيزر، فقال مرشد: والله لا وليته ولأخرجن من الدنيا كما دَخَلْتُها، ومرشد هو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ.
فلما امتنع مرشد من الولاية ولاها نصر أخاه الصغير سلطان الدولة بن علي، واستمر مرشد مع أخيه سلطان على أجمل صحبة مدّة من الزمان، وكان لمرشد عدّة أولاد نجباء ولم يكن لسلطان الدولة ولد، ثم جاء لسلطان الدولة أولاد فخشي عليهم
(١) الكامل ٩/ ٥٣. (٢) نصر بن علي بن مقلة، عم أسامة، انظر ترجمته في معجم الأدباء ٥/ ٢٣٨ والوافي بالوفيات ٢٧/ ٧٧ وخريدة القصر (قسم شعراء الشام) ١/ ٥٦٨. (٣) انظر ترجمته في معجم الأدباء ٥/ ٢٢٦.