وفيها (١): في رمضان صلب صلاح الدين جماعة من أعيان المصريين فإنهم قصدوا الوثوب عليه، وإعادة الدولة العلوية، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم. فمنهم: عبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وعمارة بن علي اليمني.
وفي هذه السنة: توفي (٢) الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة وغيرهم ذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة. وكان نور الدين قد شرع بتجهيز الدخول إلى مصر وأخذها من صلاح الدين، وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي بالشام ويسير هو بنفسه إلى مصر فأتاه أمر الله لا يردّ. وكان نور الدين أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه، حسن الصورة، وكان قد اتسع ملكه جدًا، وخطب له في الحرمين واليمن لما ملكهما توران شاه بن أيوب، وكذلك كان يخطب له بمصر، وكان مولد نور الدين سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وطبق الأرض ذكره بحسن السيرة والعمل وكان من الزهد والعبادة على قدر عظيم، وكان يصلي غالب الليل كما قيل:[الكامل]
جمع الشجاعة والخشوع لربه … ما أحسن المحراب في المحراب
وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة وليس عنده فيه تعصب. وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل دمشق وحماة وحمص وشيزر وبعلبك وغيرها، لما تهدمت بالزلازل، وبنى المدارس الكبيرة الحنفية والشافعية، ولا يحتمل هذا المختصر ذكر فضائله. ولما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بعده وعمره إحدى عشرة سنة، وخلف له العسكر بدمشق، وأقام بها وأطاعه صلاح الدين بمصر وخطب له بها، وضربت له السكة، وكان المتولي لتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم، ولما مات نور الدين وتولى ولده الملك الصالح. سار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود صاحب الموصل، وملك جميع البلاد الجزرية.
[وفي سنة سبعين]
في أولها اجتمع (٣) على رجل من أهل الصعيد يقال له الكنز جمع عظيم، وأظهر الخلاف على صلاح الدين، فأرسل إليه صلاح الدين عسكرًا، فقتل الكنز وجماعة معه، وانهزم الباقون.
(١) المختصر ٣/ ٥٤ وانظر: الكامل ٩/ ١٢٣ ونهاية الارب ٢٨/ ٣٦٧. (٢) انظر كامل ابن الاثير ٩/ ١٢٤. (٣) انظر الخبر في كامل ابن الاثير/ ٩/ ١٣٠ ونهاية الأرب ٢٨/ ٣٦٩ ومفرج الكروب ٢/ ١٦ والروضتين ١٩/ ٦٠٠ وشفاء القلوب ص ٨٣.