وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج يافا وعملها، وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا بأعمالهم، وأن تكون عسقلان خرابا، واشترط السلطان «دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته واشترط الفرنج»(١) دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم وان تكون لد والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين، فاستقرّت القاعدة على ذلك، ورحل السلطان إلى القدس في رابع شهر رمضان، وتفقد أحواله، وأمر بتشييد أسواره، وزاد في وقف المدرسة التي عملها بالقدس، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصفد حنة (٢)، يذكرون أن فيها قبر حنّة أم مريم، ثم صارت في الإسلام دار علم قبل أن يتملك الفرنج القدس ثم لما ملك الفرنج القدس سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة أعادوها كنيسة، كما كانت قبل الإسلام، فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة (٣)، وفوّض تدريسها (٤) إلى القاضي بهاء الدين بن شداد (٥).
ولما استقر أمر الهدنة أرسل السلطان مائة حجّار لتخريب عسقلان، وأن يخرج مَنْ بها من الفرنج، وعزم على الحج والإحرام من القدس، وكتب إلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن بذلك، ثم فَنَّدَهُ الأمراء وقالوا: لا تعتمد على هدنة الفرنج خوفًا من غدرهم، فانتفض عزمه (٦)، ورحل عن القدس لخمس مضين من شوال إلى نابلس، ثم إلى بيسان ثم إلى كوكب، وبات بقلعتها، ثم رحل إلى طبرية، ولقيه بها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي وقد خلص من الأسر، وكان قد أسر بعكا لما أخذها الفرنج مع من أسر.
(١) ما بين قوسين سقط من الأصل، والتكملة عن المختصر، وفي شفاء القلوب ص ١٧٧: واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في الهدنة، واشترط الفرنج أنطاكية وطرابلس. (٢) كذلك ذكرت في: شفاء القلوب ص ١٧٧ والفتح القسي ١٤٥ وتاريخ ابن الفرات ٢٦/ ٨١. (٣) في الأصل: مدرسها، والتصويب عن المختصر. (٤) في المختصر: ووقفها إلى القاضي. (٥) أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدي، بهاء الدين ابن شداد فقيه شافعي نشأ عند أخواله بني شداد فنسب إليهم، ولد بالموصل سنة ٥٣٩ هـ، وقرأ بها، وانحدر إلى بغداد، ونزل بالمدرسة النظامية وأقام بها معيدًا واتصل بصلاح الدين الأيوبي سنة ٥٨٤ هـ، فولاه قضاء العسكر توفي بحلب سنة ٦٣٢ هـ، انظر وفيات الأعيان ٧/ ٨٤ وذيل الروضتين ١٦٣ ومرآة الجنان ٤/ ٨٢ وعبر الذهبي ٥/ ١٣٢ والشذرات ٥/ ١٥٨. (٦) في الشفاء ص ١٧٨ وأقام بالقدس وتأهب للمسير إلى مصر، وأعطى البلاد دستورًا، فلما بلغ السلطان رحيل الانكلتار إلى بلاده مستهل شعبان قوي عزمه على أن يدخل الساحل جريدة، فرحل من القدس.