صلاح الدين من مصر وحكم على القصر وأقام فيه قراقوش الأسدي، وكان خصيًا أبيض وبلغ نور الدين ذلك فأرسل إلى صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة العلوية وإقامة الخطبة العباسية، فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك وأصر عليه، وكان العاضد قد مرض فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء ويقطعوا خطبة العاضد، فامتثلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان، وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته، فتوفى العاضد يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع خطبته. ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه وكان كثرته تخرج عن الإحصاء وكان فيه أشياء نفيسة من الأعلاق الثمينة والكتب والتحف فمن ذلك الحبل الياقوت، وكان وزنه سبع عشرة (١) درهمًا.
قال ابن الأثير في الكامل (٢): أنا رأيته ووزنته، ومما حكى أنه كان بالقصر طبل للقولنج إذا ضُرب به الإنسان ضرط فكسر، ولم يعلموا به إلا بعد ذلك، ونقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر، ووكّل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من عبد وأمة فباع البعض وأعتق (٣) البعض وَوَهَب البعض وخلا القصر من سكانه، كأن لم يغن بالأمس. ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظنّ ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه وندم على تخلفه عنه. وجميع مدة خلافتهم في حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة، سنة سبع وستين وخمسمائة: مائتان واثنان وسبعون سنة تقريبًا. وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت، ولم تحل إلا وتمررت، ولم تصف إلا وتكدرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر. ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد ضربت البشائر ستة أيام وسُيّرت الخلع مع عماد الدين صندل وهو من خواص الخدم المقتفوية إلى نور الدين وصلاح الدين، والخطباء، وسيرت الأعلام السود.
وكان العاضد قد رأى منامًا أن عقربًا خرجت من مسجد بمصر معروف ذلك المسجد للعاضد ولدغته، فأستيقظ العاضد مرعوبًا، واستدعى من يعبر الرؤيا، وقصه عليه، فعبر له بوصول أذى إليه من شخص بذلك المسجد، فتقدم العاضد إلى والي مصر بإحضار أهل ذلك المسجد، فأحضر إليه شخصًا صوفيا يقال له نجم الدين
(١) كذلك في الأصل والصواب سبعة عشر. (٢) الكامل في التاريخ ٩/ ١١٢ والمؤلف نقل كلامه عن المختصر. (٣) الأصل، والمختصر: عتق.