الناصر يوسف صاحب الشام من أبيهما الصالح إسماعيل. والتقى العسكران المصري والشامي بالقرب من العباسية يوم الخميس عاشر ذي القعدة هذه السنة. وكانت الكسرة أولًا على عسكر مصر، فخاطر جماعة من المماليك الترك العزيزية على الملك الناصر صاحب الشام. وثبت المعز أيبك التركماني في جماعة يسيرة من البحرية، وانضاف جماعة من العزيزية مماليك والد الملك الناصر إلى المعزّ. ولما انكسرت (١) المصريون، وتبعتهم العساكر الشامية لم يشكوا في النصر بقي الملك الناصر تحت السناجق السلطانية في جماعة يسيرة من المتعممين لا يتحرك من موضعه. فحمل المعز التركماني بمن معه عليه فولى الناصر منهزمًا طالبًا جهة الشام، ثم حمل المعز على طلب شمس الدين لؤلؤ فهزمهم وأخذ لؤلؤ أسيرًا، فضربت عنقه صبرًا، وكذلك أسر الأمير ضياء الدين القيمري فضربت عنقه، وأسر يومئذ الصالح إسماعيل والأشرف موسى صاحب حمص والمعظم توران شاه ابن السلطان صلاح الدين، وأخوه نصرة الدين، ووصل عسكر الملك الناصر في أثر المنهزمين إلى العباسية، وضربوا بها دهليز الملك الناصر، وهم لا يشكون أن الهزيمة (تمت)(٢) على المصريين، فلما بلغهم هروب الملك الناصر اختلفت آراؤهم، فمنهم من أشار بالدخول إلى القاهرة وتملكها، ولو فعلوه لما كان بقي مع المعز من يقاتلهم به. فإن غالب المصريين المنهزمين وصلوا إلى الصعيد. ومنهم من أشار بالرجوع إلى الشام. وكان معهم تاج الملوك (٣) بن المعظم، وهو مجروح، وكانت الوقعة يوم الخميس، ووصل المنهزمون من المصريين إلى القاهرة في غد الوقعة نهار الجمعة، فلم يشك أهل مصر في ملك الملك الناصر ديار مصر، وخطب له في الجمعة المذكورة بقلعة الجبل بمصر. وأما القاهرة فلم تقم فيها في ذلك اليوم خطبة لأحد، ثم وردت البشرى بانتصار البحرية. ودخل أيبك التركماني والبحرية إلى القاهرة يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة، ومعه الصالح إسماعيل تحت الاحتياط، وغيره من المعتقلين، فحبسوا بالقلعة وعقبت ذلك أخرج أيبك التركماني أمين الدولة (٤) وزير الصالح إسماعيل وأستاذ داره يغمور وكانا
(١) كذا والصواب: انكسر. (٢) الزيادة عن المختصر. (٣) تاج الملوك ابن المعظم يوسف بن الناصر أيوب، توفي سنة ٦٤٨ هـ، شفاء القلوب ص ٣٤٥. (٤) أمين الدولة، أبو الحسن بن غزال المسلماني السامري، الخطيب، وزير الملك الصالح، قال ابن شاكر، وهو الذي كان سببًا لزوال دولته وإخماد جمرته، وما كان مسلمًا ولا سامريًا، بل كا يتستر بالإسلام .. ولقد ظهر له من الأموال والجواهر واليواقيت والتحف والذخاير ما لا يوجد في خزائن الخلفاء ولا السلاطين .. ووجد له عشرة آلاف مجلة من الكتب النفيسة والخطوط المنسوية، فتمزق الجميع. انظر عيون التواريخ ٢٠/ ٤٧ والنجوم الزاهرة ٧/ ٢١ ومرآة الزمان ٨/ ٧٨٤.