للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

داود ذلك وهو بنابلس، فلحق بدمشق، وكان قد لحقه بالفور عمّه الأشرف وعرفه ما أمر به الكامل، وأنه لا يمكن الخروج عن مرسومه، فلم يلتفت الناصر داود إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق، والكامل مشتغل بمراسلة الانبراطور، ولما طال الأمر ولم يجد الكامل بدًّا من المهادنة أجاب الانبراطور إلى تسليم القدس إليه على أن (١) تستمر أسواره خرابًا، ولا يعمره الفرنج ولا يتعرضون إلى قبة الصخرة ولا إلى الجامع الأقصى، ويكون الحكم في الرساتيق (٢) إلى والي المسلمين ويكون لهم من القرايا ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط، ووقع الأمر على ذلك وتحالفا عليه.

وتسلم الانبراطور القدس في هذه السنة في ربيع الآخرة على القاعدة المذكورة. وكان ذلك والملك الناصر داود محصور (٣) بدمشق وعمّه الأشرف محاصره بأمر الملك الكامل، فأخذ الملك الناصر في التشنيع على عمّه بذلك.

وكان بدمشق الشيخ شمس الدين يوسف (٤) سبط أبي الفرج ابن الجوزي، وكان واعظًا، وله قبول عند الناس، فأمره الناصر داود بعمل مجلس وعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الفرنج، ففعل ذلك وكان مجلسًا عظيمًا ومن جملة ما أنشده قصيدة تائية ضمنها بيت دعبل بن علي الخزاعي (٥) الشاعر، وهو: [الطويل]

مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي مقفر العرصات

فارتفع بكاء الناس وضجيجهم.

ولما عقد الملك الكامل الهدنة مع الانبراطور وخلا سرّه من جهة الفرنج سار إلى دمشق ووصل إليها في جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد الحصار على دمشق ووصل إلى الملك الكامل رسول الملك العزيز صاحب حلب وخطب بنت الملك الكامل فزوجه ببنته فاطمة (٦) خاتون التي هي من الست السعداء أم ولده أبي بكر


(١) انظر ذلك في شفاء القلوب ص ٣١١ وكامل ابن الأثير ٩/ ٣٧٨.
(٢) الرساتيق، جمع رستاق.
(٣) في الأصل: محصورًا.
(٤) شمس الدين يوسف بن قزغلي الواعظ المشهور صاحب (مرآة الزمان) ولد سنة ٥٨١ هـ ببغداد ومات بدمشق سنة ٦٥٤ هـ، انظر (وفيات الأعيان ٣/ ١٤٢).
(٥) دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المشهور المتوفى سنة ٢٤٦ هـ، والبيت من تائيته الذائعة في رثاء أهل البيت (ديوانه ص ٧١) وانظر كلمة سبط ابن الجوزي، ومطلع قصيدته في شفاء القلوب ص ٣١٢.
(٦) انظر: شفاء القلوب ٣٨٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>