للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نازلًا بمرج الصفر إلى عالقين وهي عند عقبة فيق (١)، فنزل وبها مرض واشتد مرضه، ثم توفى هناك رحمه الله تعالى في سابع جمادى الآخرة من هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وستمائة، وكان مولده سنة أربعين وخمسمائة، وكان عمره خمسًا وسبعين سنة، وكانت مدة ملكه لدمشق ثلاثًا وعشرين سنة ولمصر نحو سبع عشرة سنة، وكان العادل حازمًا متيقظًا، غزير العقل شديد الآراء ذا مكر وخديعة، صبورًا حليمًا، كان يسمع ما يكره ويغضي عنه، وأتته السعادة، واتسع ملكه، وكثرت أولاده، وأُري فيهم ما يحبّ، ولم يَرَ أحد من الملوك الذين اشتهرت أخبارهم في أولاده من الملك والظفر ما رآه العادل ولقد أجاد شرف الدين [بن] (٢) عُنَيْن (٣) في قصيدة مدح بها الملك العادل، مطلعها (٤): [الكامل]

ماذا على طيف الأحبة لو سرى … وعليهم لو سامحوني بالكرى

ومنها: (٥)

العادل الملك الذي أسماؤه … في كل ناحية تشرف مغبرا

ما في أبي بكر لمعتقد الهدى … شك يريب بأنه خير الورى

بين الملوك الغابرين وبينه … في الفضل ما بين الثريا والثرى

نَسَخَتِ خلائقه الحميدة ما أتى … في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا (٦)

وله الملوك بكل أرض منهم … ملك يجر على الأعادي عسكرا

من كل وضاح الجبين تخاله … بدرًا فإن شهد الوغى فَغَضنْفَرا

وخلف الملك العادل ستة عشر ولدًا ذكرًا غير البنات. ولما توفي الملك العادل لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرًا، فحضر إليه ابنه الملك المعظم عيسى بنابلس بعد وفاته، فكتم موته، وأخَذَهُ ميتًا في محفّة، وعاد به إلى دمشق. واحتوى الملك المعظم على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح والخيول وغير ذلك. ولما وصل دمشق حلف الناس له، وأظهر موت أبيه وجَلَس للعزاء، وكتب للملوك من إخوته وغيرهم بخبره، وكان في خزانة العادل لما توفي سبعمائة ألف دينار عينًا.


(١) عقبة فيق: بالقرب من غور الأردن (معجم البلدان: ٤/ ٢٨٦).
(٢) التكملة عن المختصر.
(٣) أبو المحاسن محمد بن نصر بن الحسين بن عُنين الأنصاري شرف الدين أصله من الكوفة، وولد بدمشق سنة ٥٤٩ هـ وكان شاعرًا أديبًا، عالمًا باللغة مولعًا بالهجاء، نفاه صلاح الدين عن دمشق، فطاف بلادًا كثيرة، ثم عاد إلى دمشق وتوفي سنة ٦٣٠ هـ. (وفيات الأعيان ٥/ ١٤).
(٤) ديوانه ص ٣.
(٥) ليست في الأصل.
(٦) في المختصر: ومنها في وصف أولاده.

<<  <  ج: ص:  >  >>