على شرط إلا يخرج أحد منها إلا بثيابه فقط، وتسلمها تاسع عشر رجب، ثم سار إلى بغراس (١)، وحصرها وتسلّمها بالأمان على حكم أمان دربساك، وأرسل بيمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح، وبذل إطلاق كلّ أسير عنده، فأجيب إلى ذلك، واصطلحوا ثمانية أشهر، وكان صاحب أنطاكية «حينئذ أعظم ملوك الفرنج في هذه البلاد، فإن أهل طرابلس سلّموا إليه طرابلس بعد موت القومص صاحبها على ما ذكرناه، فجعل بيمند صاحب أنطاكية»(٢) ابنه في طرابلس.
ولما فرغ السلطان من هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ودخلها ثالث شعبان وسار منها إلى دمشق، وأعطى عماد الدين زنكي دستورًا، وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية، وجعل طريقه لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز فزاره وزار الشيخ أبا زكريا المغربي، وكان مقيمًا هناك، وكان من عباد الله الصلحاء، وله كرامات ظاهرة، وكان مع السلطان الأمير أبو فليتة قاسم بن مهنا الحسيني (٣)، صاحب مدينة الرسول ﷺ، وشهد معه مشاهده وفتوحاته، وكان السلطان يتبرك برؤيته، ويتيمن بصحبته، ويرجع إلى قوله.
ودخل السلطان دمشق في رمضان فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فقال السلطان العمر قصير، والأجل غير مأمون، وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جَعَل على الكرك وغيرها من يحصرها، وخلا أخاه العادل بتلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان، فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسلمها، فتسلّموها، وهي الكرك والشوبك (٤) وما بتلك الجهة من البلاد، ثم سار السلطان من دمشق المحروسة في منتصف رمضان إلى صفد وحصرها وتسلمها بالأمان.
ثم سار إلى كوكب وعليها قيماز النجمي يحاصرها فضايقها السلطان وتسلّمها بالأمان في منتصف ذي القعدة، سير أهلها إلى صور، وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين، ظهر ذلك فيما بعد.
(١) بغراس: مدينة بينها وبين أنطاكية أربع فراسخ (معجم البلدان ١/ ٤٦٧). (٢) ما بين قوسين كتب في هامش الورقة (٩٦) من الأصل وهو بنفسه في المختصر. (٣) ذكرت صحبته في الكامل ٩/ ١٩٥ وسماه عز الدين أبو الفليتة الحسين، وفي شفاء القلوب ص ١٥٧. (٤) الشوبك: قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وايلة والقلزم، قرب الكرك. (معجم البلدان ٣/ ٣٧٠).