وضايقها، وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يودون، فأجابوا إلى ذلك، وتسلّم السلطان قلعة صهيون وسلّمها إلى أمير من أصحابه يقال له ناصر الدين منكورس (١) صاحب قلعة أبي قبيس، ثم فرق عسكره في تلك الجبال، فملكو حصن بلاطنس (٢)، وكان الفرنج الذين به قد هربوا وأخلوه وملكو حصن العبد، وحصن الجماهرتين (٣) ثم سار السلطان عن صهيون ثامن جمادى الآخرة.
ووصل إلى قلعة بكاس (٤) وأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشُّغر (٥)، فحاصرها السلطان ووجدها منيعة، وضايقها، فأرمى الله في قلوبهم الرعب وطلبوا الأمان، وتسلّمها يوم الجمعة سادس جمادى الآخرة بالأمان، وأرسل السلطان ولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب فحصر سرمينية (٦) وضايقها واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم، وهدم الحصن، وعفى أثره، وكان في هذه وفي جميع الحصون المذكورة من المسلمين الجم الغفير، فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة.
ثم سار السلطان من الشُّغر إلى برزية (٧)، ورتب عسكره ثلاثة فرق وداومها بالزحف وملكها بالسيف في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وسبى وقتل من أهلها غالبهم، قال ابن الأثير في الكامل (٨): كنت مع السلطان في فتحه لهذه البلاد طلبًا للغزاة، فنحكي ذلك عن مشاهدة، ثم سار السلطان ونزل على جسر الحديد وهو على العاصي بقرب أنطاكية، فأقام عليه أيامًا حتى تلاحق به من تأخر من العسكر، ثم سار إلى دربساك (٩) ونزل عليها من رجب هذه السنة، وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان.
(١) ناصر الدين منكورس بن خمارتكين، هكذا ذكر في المختصر، كان صاحب قلعة أبي قبيس، سلمه صلاح الدين قلعة صهيون وحصن برزية. (٢) في المختصر: بلادنوس، وهو حصن منيع بسواحل الشام من أعمال حلب (معجم البلدان ١/ ٤٧٨). وانظر في صفته: شفاء القلوب ص ١٥٥. (٣) غير واضح في لا أصل وفي المختصر الجماهيين وما أثبته عن مصادر الخبر الأخرى، انظر: الكامل ١٩٢٩، وشفاء القلوب ١٥٥. (٤) بكاس: قلعة من نواحي حلب على شاطئ نهر العاصي (معجم البلدان ١/ ٤٧٤). (٥) الشعر: قلعة حصينة تقابل بكاس، وهما على رأس جبلين قريب أنطاكية (معجم البلدان ٣/ ٣٥٢). (٦) سرمينية في الأصل: سرمين وهي بلدة مشهورة من أعمال حلب، أصلها إسماعيلية (معجم البلدان ٣/ ٢١٥). وفي المغرب (قسم مصر) ص ١٥٨: سرمانية. (٧) البرزية: حصن بالسواحل الشامية يقع على جبل شاهق (معجم البلدان ٣/ ٣٨٣). (٨) الكامل ٩/ ٩٢: والمؤلف ينقل كلامه عن المختصر. (٩) وتكتب في الكامل: درب مساك: وهي قلعة منيعة قرب أنطاكية: (النوادر السلطانية ص ٩٣). وانظر في فتحها الكامل ٩/ ١٩٤ وشفاء القلوب ص ١٥٦.