تشبه نار النوى تحرق الأحشاء ولا تبدوا ضِرام، وهجمت عليه الجيوش هجوم الحتوف وأسرعت (المصا والانفصا)(١)، فلم ير العدى أهم أم أم بأيديهم السيوف، فعاذوا عن نسيمها ذات الجناح، وحوله من الأودية خنادق لا تُعلَمُ منها الشهور إلا بأنصافها، ولا تُعرف فيها الأهلة إلا بأوصافها، وقد تقرَّط (٢) بالنجوم وتَقَرْطَقَ (٣) بالغيوم، وسما فرْعُهُ إلى السماء، ورَسَى أَصْلُهُ في النجوم، مرر عليه الجو عجيب غمامه، ويفتر ثغره كلما حزر (٤) عنه البرق فاضل لثامه فحين بر الله الجيوش المنصور، ذلت صعابه واسحلت عقابه، فتبادرت إليه تختال من دروعها في أبهى حلل، وتسارعت نحوه تسبق سهامها التي هي أسرى وأسرع من الأجل، ففي الحال، ضربت عليه من الحتومات سورًا باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب. ووصدت حوله من الأسنة ثغورًا براقة المنايا ولكنها غير عذاب. وأرسلت من القلعة من سهامها بالأمان. ولسبوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم أحيط بهم وجاءهم الموج من كل مكان. وساعة تسطيرها، علت الأعلام المنصورة على ذلك المرقب الذي لا تتطاول إليه … وأحان الله لفتحه الأيام، فنصر أهل الجمعة يوم الجمعة على أهل الأحد. وأمر (٥) السلطان فحمل أهل المرقب إلى مأمنهم، ثم قرر أموره ورحل عنه إلى الوطأة بالساحل، وأقام بمروج بالقرب من موضع ويسمى برج القرفيص، ثم سار السلطان، ونزل تحت حصن الأكراد، ثم سار ونزل على بحيرة حمص وهي بحيرة قدس.
وفي (٦) نزوله على حمص جاءت البشارة بمولد مولانا السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين محمد بن قلاوون من زوجة السلطان، وهي بنت سكتاي بن قراجين بن جنعان، وسكتاي المذكور ورد الديار المصرية هو وأخوه قرمشي سنة خمس وسبعين وستمائة، صحبة بيجار الرومي في الدولة الظاهرية، فتزوج الملك المنصور قلاوون ابنة سكتاي المذكور في سنة ثمانين وستمائة بعد موت أبيها المذكور بولاية عمها القرمشي وتضاعف السرور بذلك، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى للملك المظفر عند رحيله من حمص دستورًا فعاد إلى حماة.
(١) كذا في الأصل، ولم أعرف لها وجهًا. (٢) في الأصل: تقرط. (٣) تقرطق: من لبس القرط. (٤) كذا في الأصل ولعلها: حَسَرَ. (٥) المختصر ٤/ ٢١. (٦) المختصر ٤/ ٢١ والنجوم الزاهرة ٧/ ٣١٧ و ٣٦٤.